
لم يعد الذهب في لبنان مجرّد ملاذ آمن أو رمز للادخار، بل تحوّل في السنوات الأخيرة إلى عامل ضغط اجتماعي مباشر، مع تصاعد أسعاره وعدم استقراره، ما جعل تأثيره يتجاوز الأسواق ليطال تفاصيل الحياة اليومية، وفي مقدمها قرار الزواج لدى فئة الشباب.
فبين صعود مفاجئ وهبوط حذر، يعيش اللبنانيون حالة ترقّب دائمة، عنوانها القلق وانعدام القدرة على التخطيط.
لطالما شكّل الذهب ركناً أساسياً في تقاليد الزواج اللبنانية، من المهر إلى الشبكة، ومن الهدايا إلى مظاهر الاستقرار الاجتماعي. غير أن التقلبات الحادة في أسعاره، المرتبطة بعوامل نقدية ومالية داخلية وخارجية، جعلت هذا التقليد عبئاً ثقيلاً. فالشاب الذي كان قادراً على تأمين متطلبات الزواج خلال فترة زمنية معقولة، بات اليوم أمام أرقام تتبدل بسرعة، ما يفقده أي شعور بالاطمئنان أو القدرة على اتخاذ القرار.
هذا الواقع المستجد خلق ما يشبه “الزواج المؤجّل”، حيث يفضل كثير من الشباب التريث بانتظار استقرار الأسعار، أو تحسن القدرة الشرائية، أو على الأقل وضوح المسار الاقتصادي. وفي المقابل، تجد عائلات كثيرة نفسها مضطرة إلى مراجعة مفاهيم راسخة، بين من يتمسّك بالتقاليد مهما بلغت الكلفة، ومن يحاول التكيّف مع واقع جديد يفرض تخفيف الأعباء أو إعادة تعريف متطلبات الزواج.
ولا يمكن فصل هذا المشهد عن السياق الأوسع للأزمة الاقتصادية، حيث تتداخل أزمة الذهب مع تآكل المداخيل وغياب الاستقرار الوظيفي وارتفاع كلفة المعيشة. فالذهب هنا ليس سبب المشكلة بقدر ما هو مرآة لها، يعكس هشاشة الوضع المالي وغياب الثقة بالمستقبل. ومع كل ارتفاع جديد في أسعاره، يتعمق الإحساس بالعجز، وتتسع الفجوة بين الطموحات والواقع.
اجتماعياً، يحمل هذا التريث تداعيات بعيدة المدى، من تأخر سن الزواج إلى تغيّر أنماط العلاقات الأسرية، وصولاً إلى ضغوط نفسية متزايدة على الشباب.
وفي ظل غياب حلول شاملة، يبقى الذهب مؤشراً حساساً لنبض المجتمع، يختصر قلق الناس، ويكشف كيف يمكن لتقلبات الأسواق أن تتحوّل إلى أزمات اجتماعية صامتة، تتراكم ببطء لكنها تترك أثراً عميقاً في بنية المجتمع اللبناني.

