
في خضم الضجيج السياسي والإعلامي الذي ساد في الأيام الأخيرة، برزت محاولات لتصوير الموقف اللبناني وكأنه يشهد رخاوة أو تحوّلاً باتجاه القبول بمفاوضات سياسية مباشرة مع “إسرائيل”، تحت عناوين متعددة وملتبسة. غير أن الوقائع السياسية الثابتة، كما المواقف الرسمية المعلنة، تنسف هذا الانطباع من أساسه، وتعيد التأكيد على ثوابت لم تتبدل رغم تبدّل الظروف والضغوط.
لبنان، وفق هذا المسار، ليس في وارد الدخول في أي شكل من أشكال المفاوضات المباشرة مع “إسرائيل”، سواء كانت سياسية أم أمنية، ولا يقبل بأي طرح يتناقض مع هذا الموقف المبدئي الذي يشكّل جزءاً من الإجماع الوطني ومن معادلة إدارة الصراع. هذا الثبات لا يندرج في خانة المناورة أو رفع السقوف، بل يعكس قناعة راسخة بأن أي انزلاق نحو مفاوضات مباشرة سيحمل أبعاداً سياسية تتجاوز عناوينها التقنية، ويفتح الباب أمام مسارات لا يريدها لبنان ولا تخدم مصالحه العليا.
في هذا الإطار، يبرز موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري بوصفه تعبيراً دقيقاً عن هذا التوجه، حين يشدد على أنّ موقف لبنان معروف وواضح، وأن الالتزام باتفاق وقف الأعمال العدائية ليس خياراً ظرفياً، بل ركيزة أساسية لإدارة المرحلة الراهنة. فالاتفاق، رغم كل الخروقات والاختبارات، لا يزال الإطار الناظم الوحيد القادر على ضبط التوتر ومنع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة، في ظل واقع إقليمي بالغ الحساسية.
والأهمية التي يوليها لبنان للجنة “الميكانيزم” تأتي من هذا المنطلق تحديداً. فالتمسك بها شكلاً ومضموناً ليس تفصيلاً تقنياً، بل تعبير عن رفض استبدال الآليات القائمة بأي صيغ بديلة قد تحمل في طياتها أبعاداً سياسية مموّهة. لبنان يرى في هذه اللجنة أداة تقنية – أمنية، وظيفتها محصورة في مراقبة التنفيذ ومعالجة الخروقات ضمن سقف واضح، لا منصة تفاوض ولا مدخلاً لتطبيع سياسي مقنّع.
لذا إن ما يُطرح في الكواليس، أو يُسوّق له في بعض المنصات الإعلامية، يعكس في جزء منه محاولات ضغط غير مباشرة على لبنان، لدفعه إلى القبول بتعديلات في قواعد الاشتباك السياسي والدبلوماسي، تحت عنوان “الضرورات الأمنية”. إلا أنّ التجربة اللبنانية مع هذا النوع من الطروحات تجعل الحذر مضاعفاً، خصوصاً في ظل اختلال موازين القوى وغياب أي ضمانات حقيقية توازن بين الالتزامات والحقوق.
ثبات الموقف اللبناني لا يعني تجاهل المتغيرات ولا إنكار حجم الضغوط، بل يعني إدارة هذه المتغيرات من موقع واضح ومحدد. فلبنان يدرك أن أي تنازل في الشكل قد يتحول سريعاً إلى تنازل في المضمون، وأن فتح باب المفاوضات المباشرة، مهما كانت عناوينه، سيُفسَّر سياسياً على نحو يتجاوز النوايا المعلنة.

