توصف الصين بأنها تسعى إلى إبراز القيادة العالمية وملء فراغ القيادة الذي خلفته الولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب. لكن وجهة النظر هذه تنبع إلى حد كبير من مصادر غربية.
وقد ظل الخطاب الرسمي الصيني حذراً بشكل ملحوظ بشأن القيادة العالمية. وبدلاً من تبني هذا المفهوم بشكل مباشر، اتجهت بكين إلى التعامل معه بشكل غير مباشر، مما يشير إلى حسابات استراتيجية حول التكاليف والمخاطر والمسؤوليات التي تنطوي عليها القيادة.
في السياسة الدولية، لا تقتصر الزعامة العالمية على القوة أو المكانة فحسب. إنها عملية علائقية، ترتكز على تبادل حيث يجب على القادة تقديم حوافز مادية، أو التزامات مستدامة، أو رؤى مقنعة مقابل الاعتراف والموافقة من الأتباع. والقيادة، بهذا المعنى، ليست مجانية على الإطلاق.
وبالتالي فإن الزعامة تصبح معضلة بالنسبة للصين الصاعدة. إن قوة الصين المتنامية تجلب المطالبة بمزيد من النفوذ في الشؤون الإقليمية والعالمية، ولكنها تعرض بكين أيضاً لأعباء اقتصادية متزايدة ومخاطر استراتيجية.
وتشمل هذه المسؤوليات توفير المنافع العامة وصيانتها وخطر الانزلاق إلى منافسة الهيمنة مع الولايات المتحدة، مما يؤدي إلى تعميق التوترات مع التحالفات الغربية.
وقد تم التعبير عن هذا الحذر بوضوح في عام 2017. ففي الوقت الذي كانت فيه المبادرات الصينية مثل مبادرة الحزام والطريق، والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، وفكرة “مجتمع المستقبل المشترك للبشرية” تكتسب زخما، أكد وزير الخارجية وانغ يي أن الصين ليس لديها أي نية لقيادة أو استبدال أي شخص، وأن بكين تظل واضحة المعالم في مواجهة الدعوات الموجهة إليها للعب دور قيادي.
وفي وقت لاحق من ذلك العام، عندما سُئل عما إذا كانت الصين مستعدة لتولي القيادة العالمية وسط نهج أمريكا أولا والانعزالي بشكل متزايد، رفض وانغ فكرة تقسيم البلدان إلى قادة وأتباع، بحجة أن الصين ستتحمل مسؤوليات دولية تتناسب مع قدراتها الوطنية.
وعندما تظهر لغة القيادة في الخطاب الصيني، فإنها عادة ما تكون موجهة نحو المؤسسات الجماعية وليس الدول الفردية. على سبيل المثال، أكدت الصين على الدور القيادي الذي تلعبه مجموعة العشرين ومنتدى التعاون الاقتصادي لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ، وكلاهما تشارك في التعاون الاقتصادي الدولي.
ويشير هذا إلى أن بكين تعبر عن القيادة في المقام الأول باعتبارها وظيفة مؤسسية وجماعية، وليس شكلاً من أشكال سلطة الدولة الأحادية الجانب. ومع ذلك، فقد حدث في السنوات الأخيرة تحول طفيف في الطريقة التي تتحدث بها الصين عن الزعامة.
ولا تزال بكين تفضل اللغة غير الهرمية، مثل “التوجيه” (引领)، أو “المساهمة” (贡献)، أو “لعب دور مهم” (发挥重要作用)، لكنها أصبحت على استعداد متزايد للحديث عن “القيادة” حيثما أمكن التحكم في التكاليف السياسية.
على سبيل المثال، في ديسمبر/كانون الأول 2025، أشار وانغ يي في خطاب رئيسي إلى أن نفوذ الصين الدولي، وقدرتها على قيادة مساعي جديدة، وجاذبيتها الأخلاقية قد تعززت بشكل كبير.
إن تحول الصين نحو خطاب الزعامة ليس من قبيل الصدفة. إن انسحاب ترامب المتكرر من المنظمات والاتفاقيات والمعاهدات الدولية، والجدل الذي ولّده داخل الدول الغربية، فتح نافذة من الفرص لبكين لتعزيز قيادتها بثقة أكبر.
وفي الوقت نفسه، يتماشى هذا التحول مع الاستراتيجية الدبلوماسية الأوسع للصين، وخاصة طموحها لتمثيل الجنوب العالمي وتعزيز العلاقات بين الاقتصادات الناشئة، مثل مجموعة البريكس +.
ومن الجدير بالذكر أن الصين سعت أيضًا إلى إعادة تعريف القيادة العالمية. وقد ذكر تقرير رسمي حديث أن هذا المفهوم لا يزال غير واضح وكثيرا ما يتم الخلط بينه وبين هيمنة القوى العظمى وهيمنتها.
واقترحت فهماً بديلاً للقيادة العالمية باعتبارها عملية جماعية: فهم تعمل فيه الدول والمنظمات الدولية والمؤسسات الإقليمية والجهات الفاعلة غير التابعة لدول بعينها معاً على قدم المساواة، من خلال التشاور والتعاون، لمعالجة التحديات العابرة للحدود الوطنية وإصلاح النظام الدولي.
ومن خلال إعادة صياغة القيادة باعتبارها منتشرة وموجهة نحو العمليات، تسعى بكين إلى تقليل الضغوط لمطابقة التزامات القيادة على النمط الأمريكي مع الحفاظ على المجال لتوسيع نفوذها.
في عموم الأمر، تسعى الصين إلى تجاوز السرد الجيوسياسي الذي يركز على المنافسة على الزعامة، وتخفيف المعضلة التي تخلقها مثل هذه التوقعات. وسواء حظي هذا السرد بقبول أوسع، وكيف يتقاطع مع القيادة الأميركية التي لا يمكن التنبؤ بها في عهد ترامب، فسوف يشكل هذا الديناميكيات المستقبلية للعلاقات بين القوى العظمى.
سونغروين ما هو طالب دكتوراه في جامعة أكسفورد

