
في ليلة رأس السنة، بدت شوارع بيروت ومدن لبنانية أخرى وكأنها خرجت مؤقتا من زمنها الثقيل. الموسيقى تعلو، الألعاب النارية تملأ السماء، المقاهي والملاهي مكتظة، واللبنانيون يرقصون كما لو أن الغد مضمون، غير أن هذا المشهد الاحتفالي لم يكن معزولا عن سياقه، بل جاء متناقضا بحدة مع واقع سياسي وأمني ينذر بحرب “حامية الوطيس”، وفي وقت تُقرَع فيه طبول الحرب على أكثر من جبهة إقليمية.
لم يكن الرقص في رأس السنة فعلا بريئا بالكامل، ولا كان تجاهلا للواقع، بل أقرب إلى رد فعل جماعي على الخوف، ومحاولة يائسة لتأكيد الوجود في بلد اعتاد أن يحتفل على حافة الهاوية.
لبنان اليوم ليس بلدا يعيش الاستقرار ثم يحتفل، بل كيان مأزوم يحتفل كي لا ينهار نفسيا. فالبلاد تقف عند تقاطع أزمات متراكمة: انشطار سياسي مزمن، انهيار اقتصادي لم تُقفل صفحته بعد، وقلق متصاعد من توسّع التوترات في المنطقة وانعكاسها المباشر على الداخل اللبناني.
ورغم ذلك، اختار كثير من اللبنانيين النزول إلى الشوارع وارتياد المطاعم والاحتفال، في مشهد يذكّر بتاريخ طويل من التناقض اللبناني: الحياة تمشي جنبا إلى جنب مع احتمال الموت، والفرح يولد في حضن الخوف.
في التحليل الاجتماعي، لا يمكن قراءة هذه الظاهرة على أنها انفصال عن الواقع، بل على العكس تماما، الرقص هنا ليس إنكارا للأزمة، بل شكل من أشكال المقاومة النفسية. اللبناني الذي خبر الحروب والانهيارات المتتالية، تعلّم أن يؤجّل الخوف، لا أن يلغيه. هو يدرك هشاشة اللحظة، لكنه يصرّ على اقتناصها.
كأن الرسالة غير المعلنة تقول: إذا كانت الحرب محتملة، فلن نمنحها انتصارا مجانيا على أرواحنا قبل أن تقع. هكذا يصبح الاحتفال فعل تحدٍ، لا استهتار.
لكن هذا المشهد الاحتفالي حمل أيضا إشكالية إضافية، فالصورة التي انتقلت إلى الخارج بدت للبعض متناقضة، إن لم تكن مربكة: بلد مهدد بالحرب، وشعب يرقص. هنا عاد السؤال القديم: هل اللبنانيون لا يدركون حجم الخطر؟ أم أنهم اعتادوا العيش في منطقة رمادية بين السلم والحرب؟
الحقيقة أن الإعلام الخارجي غالبا ما يختزل المشهد، متجاهلا البعد النفسي والاجتماعي العميق لهذه السلوكيات. فالرقص في بيروت لا يعني الاطمئنان، بل يعكس إرهاقا تاريخيا من الانتظار الدائم للكوارث.
وفي خلفية هذا المشهد، تقف دولة غائبة أو عاجزة. فبينما يحتفل الناس، تغيب أي إشارات جدية على وجود استراتيجية رسمية تحمي البلاد من الانزلاق نحو المجهول. المواطن اللبناني، الذي لم يعد ينتظر كثيرا من سلطته، بات يعتمد على نفسه: يفرح وحده، ويخاف وحده، ويواجه المصير وحده.
وهنا تكمن المفارقة الأخطر: شعب يرقص لأنه لم يعد يملك ترف الثقة بمستقبل تصنعه الدولة، بل يخلق لحظاته الخاصة قبل أن تُسرق منه.
بالطبع لم يرقص اللبنانيون لأنهم مطمئنون، بل لأنهم قلقون، لم يحتفلوا لأن الحرب بعيدة، بل لأن ظلّها قريب. في رأس السنة، دقّت الموسيقى أعلى من صوت الخوف، لكن طبول الحرب بقيت تُقرَع في الخلفية، تذكيرا دائما بأن الفرح في لبنان مؤقت، وأن القلق مقيم.
هكذا دخل اللبنانيون عاما جديدا كما اعتادوا دائما، بقلوب ترقص، وأعصاب مشدودة، وعيون تراقب الأفق… تحسبا للأسوأ، وتشبثا بما تبقّى من حياة.

