وقف أهالي “بيت جن” في ريف دمشق الجنوبي، السبت، لاستقبال العزاء في ضحايا قصف إسرائيلي، ومنهم من تضرر منزله، وآخرين نزحوا لخوفهم من البقاء في البلدة، خشية توغل جديد للجيش الإسرائيلي.
والملفت أن أهالي البلدة يعيشون حالة من الترقب الدائم؛ فخلال الحديث معهم تلاحظ رؤوسهم ترنو بشكل مفاجئ نحو السماء لرصد المسيرات الإسرائيلية التي يطلقون عليها اسم “الزنانة”.
يروي الأهالي في لقاءات مع “الشرق” ما حدث معهم، فجر الجمعة، بعدما دخلت قوة إسرائيلية بشكل مفاجئ، لتعتقل شباناً من البلدة، لتحدث اشتباكات، بعدها أفادت وكالة الأنباء السورية (سانا) بأن قوات الجيش الإسرائيلي قتلت 13 شخصاً، وأصابت 24 في حصيلة أولية، بينما أعلن الجيش الإسرائيلي في بيان، إصابة 6 من جنوده.
ويتخوف أهالي “بيت جن” من تكرار الاعتداءات الإسرائيلية، في حين يقول آخرون إنهم اعتادوا التعايش مع ما يحصل، وبأنهم مستعدون للتصدي لقوات الجيش الإسرائيلي إن حاولت الدخول مرة أخرى.
بدوره، قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى لـ”الشرق” إن إسرائيل منذ الثامن من ديسمبر الماضي حاولت أن تفرض سياسة الأمر الواقع، لأنها نظرت إلى معركة “ردع العدوان” والتحرير الذي حصل في سوريا بنظرة سلبية، تشكل تهديداً وجودياً لها، على الرغم من أن الحكومة السورية ركزت على أنها تريد التنمية، والاستثمار بنهضة هذا البلد من جديد، ولن تشكل منطلقاً أو تهديداً لأحد.
وأضاف أن إسرائيل التي تحكمها حكومة “يمنية متطرفة” بقيادة بنيامين نتنياهو لا تعرف إلا مسألة التصعيد في المنطقة، ولم تخف رغبتها بأن تكون سوريا مقسمة وضعيفة.
وأوضح أن الحكومة السورية تحاول أن تركز على كيفية أن يتم التكاتف الشعبي لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
وذكر أن إسرائيل قد تكون قادرة على فرض الوقائع بالقوة، ولكن حساباتها تأتي خاطئة في كثير من الأحيان، وما جرى في “بيت جن” هو أحدها، لأن “المواطن السوري عندما يخير بين الذل، والاحتلال، والدفاع عن أرضه وشعبه، والموت في سبيل ذلك، سيختار الموت، ويعرف كيف يقاوم”.
وشدد على أن سوريا لن تتوانى أو تدخر جهداً في مواجهة السياسات الإسرائيلية التوسعية الرامية إلى فرض وقائع جديدة، سواء كانت هذه دبلوماسية أو غير دبلوماسية.
وقال محمد عبد الرزاق والد الشاب حسن عبد الرزاق الذي راح ضحية الاشتباك مع إسرائيل لـ”الشرق” إنه “فقد ابنه الذي كان من المفترض أن يزف عريساً، حيث دخلت قوة إسرائيلية كبيرة، وخرجوا واشتبكوا معها”، مضيفاً: “أفتخر به”.
وأشار إلى أنهم لا يملكون أي مخاوف من توغلات أخرى، وعلى جاهزية لصدها بحال دخلت في وقت لاحق.
وذكر أسعد الشعبي وهو من أهالي مزرعة بيت جن لـ”الشرق” أنها “المرة الثانية التي تدخل بها القوات الإسرائيلية إلى البلدة، عند الساعة الثالثة والنصف من فجر يوم الجمعة، حيث أرعبت الأهالي، بهدف اعتقال شبان نتيجة الاتهامات التي توجهها لهم بانتمائهم إلى منظمات مسلحة، والتي تعتبر منفية بشكل نهائي”، موضحاً أن سكان منطقة “بيت جن” خرجوا لإسقاط النظام السابق.
وأضاف أن هناك مخاوف نتيجة الطيران المسير الذي يتواجد باستمرار في سماء البلدة، وكان آخرها أثناء عملية الدفن يوم الجمعة.
“حل رادع لإسرائيل”
وطالب نضال قبلان أحد المتضررين من قصف “بيت جن”، الحكومة والمنظمات الدولية أن تقيم الأوضاع، لأن حارات بيت جن شبه مدمرة، وأغلب الأهالي السكان والأطفال نزحوا من القرية إلى غيرها، لعدم توفر المحروقات، والكهرباء، والاتصالات.
وطالب الحكومة السورية أن “تخاطب الدول، وتضع حداً لردع إسرائيل”، مضيفاً: “لن نترك المنزل سواء دخلوا أم لا”.
بدوره، ذكر علي عكاشي أنه تم اعتقال شابين من أقاربه من قبل الجانب الإسرائيلي، وهما متقدمان في العمر وفلاحان، ولا يحملا أي انتماءات سياسية، مشيراً إلى أن أهالي البلدة طالما عارضوا النظام السابق، وجماعة “حزب الله”.
وأشار الأهالي إلى نزوح أكثر من ربع القرية إلى قرى أخرى نتيجة تهدم في المنازل، والتخوف من غارات أخرى.
تفاصيل ليلة قصف “بيت جن”
أم عبدو عطية من أهالي “بيت جن” روت لـ”الشرق” أنها سمعت أصوات القصف ليلاً، وسط حالة من الخوف التي انتابت النساء والأطفال، إلى جانب تضرر عدد من الأهالي وحرق منازلها، مضيفةً: “لا نستطيع مكافحة الطيران الذي قصف البلدة”.
وأردفت: “النساء والرجال ستقاوم في وجه إسرائيل بحال عادت إلى هنا، وهم على استعداد للموت، دون أن يسلموا البلدة لهم”.
“أبو محمد” عاد من شهر إلى “بيت جن” وذلك بعد غياب 15 عاماً عن البلدة، قضاها في لبنان، وبدأ عمليات الترميم، وسكن في منزله ليتعرض لأضرار من القصف، حيث كسرت واجهات الشبابيك والأبواب، لافتاً إلى عدم قدرته على إعادة إصلاح البيت مجدداً، أو العودة للنزوح مرة أخرى بعد الصعوبات التي عانها خلال السنوات الماضية.
وأسفر توغل إسرائيلي في بلدة “بيت جن” بريف دمشق عن اندلاع اشتباكات عنيفة، الجمعة، مع سكان محليين، فيما نددت وزارة الخارجية السورية بالهجوم، واعتبرته يشكل “جريمة حرب مكتملة الأركان”.
وقالت مصادر ميدانية سورية لـ”الشرق” إن “القوات الإسرائيلية دخلت بلدة بيت جن باستخدام سيارات عسكرية غير مدرعة، لاعتقال مطلوبين، وكانوا يستشعرون الأمان في منطقة يتحركون فيها بشكل دائم ومتكرر”.
وأضافت المصادر أن القوات الإسرائيلية التي دخلت، فجر الجمعة، إلى البلدة وتوجهت إلى أحد الأزقة فوجئت بإطلاق نار عليها من مسلحين محليين، فانسحب الجنود بعدما أصيب عدد منهم بجروح، وتركوا وراءهم إحدى سياراتهم، لتأتي مسيرات إسرائيلية بعد لحظات، وتقصف السيارة، والمباني المحيطة، ما أسفر عن سقوط ضحايا، وجرحى في صفوف السكان.
وأوضحت الخارجية السورية في بيان، أن الهجوم الإسرائيلي على القرية، تسبب في “حركة نزوح كبيرة”، داعية مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية إلى التحرك العاجل لـ”وضع حد لسياسة العدوان والانتهاكات المتكررة التي يقوم بها الاحتلال الإسرائيلي بحق الشعب السوري، واتخاذ إجراءات رادعة تضمن احترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وسيادة الجمهورية السورية ووحدة أراضيها”.
وأودت الاشتباكات بحياة 13 سورياً بينهم نساء وأطفال، فيما لا يزال آخرون تحت الأنقاض، حسبما أشارت وسائل إعلام سورية رسمية، بينما أعلن الجيش الإسرائيلي في بيان، إصابة 6 من جنوده خلال تلك الاشتباكات بجروح بالغة إلى متوسطة.
وحسبما نقلت قناة “الإخبارية” السورية الرسمية، فإن المواجهات بين القوات الإسرائيلية، وسكان محليين، شملت تبادلاً لإطلاق النار، وقصفاً مدفعياً، إلى جانب تحليق مروحيات قتالية.
واعتقلت القوات الإسرائيلية ثلاثة من أبناء البلدة قبل انسحابها، وحاصر سكان البلدة، القوات الإسرائيلية التي “حاولت خطف أحد الأهالي”، وطلبوا دعماً من القرى المجاورة.
وانسحبت القوات الإسرائيلية، في أعقاب المواجهات، من داخل بلدة “بيت جن”، وتمركزت في “تلة باط الوردة” على أطراف البلدة.
وزعم الجيش الإسرائيلي أن مسلحين أطلقوا النار باتجاه قواته التي قال إنها خرجت “لاعتقال مطلوبين”، فردت القوات بإطلاق النار عليهم تحت دعم جوي في المنطقة، مشيراً إلى إصابة 6 من جنوده خلال تلك الاشتباكات بجروح بالغة إلى متوسطة.
الجيش الإسرائيلي قال في بيانه، عقب الاشتباكات، إن قوات من اللواء الاحتياطي 55 بقيادة الفرقة 210، شنت عمليةً توغل لاعتقال عدد من السوريين، يتهمهم بتنفيذ هجمات ضد إسرائيليين.
كما زعم الجيش الإسرائيلي، أن عدداً من المسلحين، بحسب البيان، بادروا بإطلاق النار على القوات الإسرائيلية، التي طلبت دعماً جوياً في الاشتباكات، إذ استدعت القوات الإسرائيلية خلال توغلها طائرات مقاتلة، ودبابات وطائرات مسيّرة هاجمت عدة نقاط في القرية.
وأفادت تقارير إسرائيلية بأن الهجوم كان مباغتاً للقوات المتوغلة التي لم تكن تتوقع حدوث أي اشتباك.

