حضّ الرئيس الأميركي دونالد ترمب شركات النفط الأميركية على العودة فوراً إلى فنزويلا وضخ استثمارات بمليارات الدولارات لإعادة تأهيل القطاع المتدهور، كشرط للحصول على تعويضات عن الأصول المصادرة قبل وخلال حكم نيكولاس مادورو. ووفق مجلة “بوليتيكو”، أبلغت إدارة ترمب الشركات أن المشاركة الفورية في إعادة الإعمار شرط أساسي لأي تعويض مستقبلي.
تأتي الخطوة بعد عملية عسكرية أميركية أدت إلى القبض على مادورو، ما أعاد تسليط الضوء على فنزويلا التي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، لكنها تعاني من بنية تحتية متهالكة نتيجة سوء الإدارة ونقص الاستثمار.
ورغم وضوح الرسائل الأميركية، أبدت الشركات قلقاً من الغموض السياسي في البلاد، والمخاطر الأمنية، وآليات التعويض، إضافة إلى تأثير تقلبات أسعار النفط.
كما تناولت النقاشات الأميركية مستقبل شركة “بتروليوس دي فنزويلا” PdVSA، مع تأكيد عدم وجود خطط لخصخصتها، بل إعادة هيكلة إدارتها فقط. وأشارت الإدارة إلى إمكانية استخدام أدوات تمويل حكومية لتشجيع الاستثمارات والحد من النفوذ الصيني، وسط سباق أميركي لضمان موطئ قدم في فنزويلا.
ويرى محللون أن فنزويلا تمثل فرصة استثمارية واعدة على المدى الطويل، لكنها تتطلب رأسمالاً كبيراً ومرحلة انتقالية مستقرة لاستعادة الإنتاج.
فما الذي يميز نفط فنزويلا من حيث الاحتياطيات، والإنتاج، والتصدير، والبنية التحتية، والاستثمارات المطلوبة؟
احتياطيات النفط الضخمة
تشير البيانات الرسمية إلى أن فنزويلا تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، لكن إنتاجها لا يزال عند مستويات متدنية بسبب سوء الإدارة ونقص الاستثمارات والعقوبات الدولية. ويقدّر “معهد الطاقة” في لندن، أن البلاد تمتلك نحو 17% من احتياطيات النفط العالمية، أي ما يعادل 303 مليارات برميل، متقدمة بذلك على السعودية التي تتصدر قائمة منتجي منظمة “أوبك”.
وتوضح وزارة الطاقة الأميركية، أن غالبية الاحتياطيات الفنزويلية تتركز في منطقة أورينوكو وسط البلاد، وتتميز بكونها من النفط الثقيل، ما يجعل استخراجه مكلفاً، رغم أنه غير معقد تقنياً.
تراجع الإنتاج
كانت فنزويلا من الأعضاء المؤسسين لـ”أوبك” إلى جانب السعودية والعراق والكويت وإيران، وبلغ إنتاجها ذروته في سبعينيات القرن الماضي عند 3.5 مليون برميل يومياً، أي أكثر من 7% من الإنتاج العالمي آنذاك.
لكن الإنتاج تراجع تدريجياً خلال العقد الماضي، ليبلغ متوسطه في العام الماضي نحو 1.1 مليون برميل يومياً، ما يعادل نحو 1% فقط من الإنتاج العالمي.
وقال آرني لومان راسموسن من شركة “جلوبال ريسك مانجمنت”، إن “حدوث تحول حقيقي في النظام السياسي قد يفتح المجال لزيادة المعروض النفطي، لكن تعافي الإنتاج الكامل سيحتاج إلى وقت”. وأضاف ساول كافونيك، المحلل في شركة “إم إس تي ماركي”، أن رفع العقوبات وعودة الاستثمارات الأجنبية قد يدفعان نحو نمو صادرات فنزويلا.
أما خورخي ليون، رئيس قسم التحليل الجيوسياسي في شركة “ريستاد إنرجي”، فحذر من أن “التاريخ يُظهر أن تغيير الأنظمة بالقوة نادراً ما يؤدي إلى استقرار سريع في إمدادات النفط، كما تؤكد التجربتان الليبية والعراقية”.
وفي مقابلة مع شبكة “فوكس نيوز” الأميركية، قال ترمب إن الولايات المتحدة ستنخرط بقوة في قطاع النفط الفنزويلي.
المشروعات المشتركة
بعد تأميم قطاع النفط في سبعينيات القرن الماضي، أنشأت فنزويلا شركة “بتروليوس دي فنزويلا”. وفي التسعينيات، بدأت البلاد خطوات لفتح القطاع أمام الاستثمار الأجنبي. لكن بعد انتخاب الرئيس الراحل هوجو تشافيز في عام 1999، اشترطت الحكومة أن تكون الحصة الكبرى في جميع المشاريع لشركة “بتروليوس دي فنزويلا”.
وأبرمت “بتروليوس دي فنزويلا”، شراكات مع شركات عالمية بهدف رفع الإنتاج، من بينها “شيفرون” الأميركية، و”البترول الوطنية الصينية”، و”إيني” الإيطالية، و”توتال” الفرنسية، و”روسنفت” الروسية.
الصادرات والتكرير
ظلت الولايات المتحدة لعقود أكبر مستورد للنفط الفنزويلي، قبل أن تحلّ محلها الصين خلال العقد الماضي بفعل العقوبات الأميركية. وتدين فنزويلا بنحو 10 مليارات دولار لبكين، بعد أن أصبحت الصين أكبر مقرضيها في عهد تشافيز، حيث تُسدد كراكاس القروض عبر شحنات نفطية تُنقل على متن ثلاث ناقلات عملاقة مملوكة بشكل مشترك بين البلدين.
وفي ديسمبر الماضي، كانت ناقلتان من هذه السفن تقتربان من السواحل الفنزويلية عندما أعلن دونالد ترمب فرض حصار على جميع الناقلات المتجهة من وإلى فنزويلا، ما أدى إلى توقف صادرات النفط إلى حد كبير.
وقال ترمب لـ”فوكس نيوز” إن الصين ستحصل على النفط، دون تقديم تفاصيل إضافية. كما أقرضت روسيا فنزويلا مليارات الدولارات، لكن حجم هذه القروض غير معروف بدقة.
وتملك “بتروليوس دي فنزويلا” أيضاً أصولاً تكريرية خارج البلاد، من أبرزها شركة “سيتغو” في الولايات المتحدة، لكنها تواجه نزاعات قانونية طويلة الأمد يسعى خلالها الدائنون للسيطرة عليها.
هذا المحتوى من اقتصاد الشرق مع “بلومبرغ”

