حسين زلغوط
خاص- “رأي سياسي”:

بعد عام كامل على توليه رئاسة الجمهورية، يمكن القول إن العماد جوزاف عون نجح في تثبيت ملامح عهد مختلف في مقاربته، وواضح في أولوياته. عامٌ لم يكن سهلاً في بلد مثقل بالأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية، إلا أنّ العهد الجديد تمكّن من تسجيل إنجازات نوعية أعادت بعض التوازن إلى الدولة، وفتحت نوافذ أمل أمام اللبنانيين.
منذ اليوم الأول، قدّم الرئيس عون نفسه رئيساً جامعاً لا طرفاً، فاختار خطاباً تصالحياً يخفف منسوب الانقسام، ويعيد وصل ما انقطع بين الرئاسة الأولى وبقية المؤسسات الدستورية. هذا النهج انعكس سريعاً في انتظام العمل الدستوري، وتفعيل دور مجلس الوزراء، وإعادة الاعتبار لموقع رئاسة الجمهورية كمرجعية توازن وضامن للشراكة الوطنية، لا كساحة اشتباك سياسي.
لقد شكّل الاستقرار العنوان الأبرز للعهد. فقد أعاد الرئيس عون، القادم من المؤسسة العسكرية، تثبيت معادلة الأمن الوقائي، فتعزز حضور الدولة في المناطق الحساسة، وتراجعت مظاهر الفوضى الأمنية، وجرى التعامل بحزم مع محاولات الإخلال بالسلم الأهلي، وهذا الأمر انطلق من الالتزام بتنفيذ خطاب القسم.
كما انه خلق شبكة امان داخلية، عبر: التواصل والثقة بين كل مكونات البلد، على صعيد الطوائف والقوى السياسية، واجراء تعيينات وتشكيلات ادارية وعسكرية وقضائية.
ولا يخفى على أحد ان العهد التزم بحصرية السلاح، بما يضمن الاهداف الوطنية منه: خطة عسكرية حققت اهداف المرحلة الاولى. معالجة مسؤولة ضمن توازن دقيق يضمن السلم الأهلي من جهة، والإصرار على وقف الاعتداءات وانسحاب الاحتلال الاسرائيلي وعودة المهجرين، وكذلك اجراء الانتخابات البلدية، والإصرار على حصول الاستحقاق الانتخابي النيابي في موعده.
والأهم في هذا الاطار كان نجاحه في اعادة تنظيم علاقات لبنان مع الدول العربية والعواصم الدولية، بحيث عاد التواصل فعّالاً، وهو ما ترجم في رفع حظر سفر بعض الدول مواطنيها إلى لبنان، مما عزز النشاط السياحي خلال السنة الماضية، كما أنه نظم العلاقة مع سوريا، عبر لقاءاته رئيسها، والإيعاز للمعنيين بتشكيل لجان لحل المسائل العالقة. وهو ما يترجم بضبط الحدود ومنع التفلت والاحتكاكات والتوتر.
من المعلوم ان العهد ورث واقعاً اقتصاديا بالغ التعقيد، لكن مقاربة الرئيس اتسمت بالواقعية والابتعاد عن الشعبوية، حيث دعم مسار الإصلاح المالي، وغطّى سياسياً خطوات إعادة هيكلة القطاع العام، وتعزيز الشفافية، وإطلاق مسار تدريجي لاستعادة الثقة الداخلية والخارجية. ولم يكن خافياً أن الرئاسة لعبت دوراً محورياً في فك العُقد السياسية التي عطّلت قرارات حاسمة، ما أعاد بعض الانتظام إلى الدورة الاقتصادية، ولو ببطء.
ويسجل للرئيس عون انه أدار الملفات الخلافية بعقل بارد، واختار تثبيت سقف الدولة أولاً، مع ترك المساحات اللازمة للتفاهم الوطني، إدراكاً منه أن أي إنجاز غير توافقي مهدد بالسقوط، وكان رئيس الجمهورية حاضراً ايضا في الملفات المعيشية، داعماً شبكات الأمان الاجتماعي، ورافعاً الصوت في الدفاع عن حقوق العسكريين والموظفين والمتقاعدين، ومشدداً على أن كرامة المواطن هي حجر الأساس في أي مشروع نهوض.
بعد عام، لا يمكن الإدعاء أبداً أن العهد حقق في عامه الأول المعجزات، لكنه نجح في إعادة تعريف الممكن في لبنان. فبين دولة كانت على شفير الانهيار الكامل، ومؤسسات مشلولة، استطاع الرئيس جوزاف عون أن يعيد تثبيت الدولة، ويضعها مجدداً على السكة، ولو كانت الطريق لا تزال طويلة وشاقة.

