تحوّلت زيارة قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل، إلى الولايات المتحدة، من محطةٍ يفترض أن تركز على دعم المؤسسة العسكرية وتنسيق المساعدات، إلى ساحة سجال سياسي – رمزي في واشنطن حول سؤال واحد: هل يصف قائد الجيش اللبناني «حزب الله» بأنه «إرهابي»؟ وهل يمكنه تجاوز الدولة اللبنانية في تصنيفاتها؟ الشرارة جاءت بعد لقاء قصير جمعه بالسيناتور الجمهوري المتشدد ليندسي غراهام، الذي أعلن علناً أنه أنهى الاجتماع سريعاً عندما رفض هيكل استخدام هذا الوصف في «السياق اللبناني».
ما الذي جرى في اجتماع غراهام؟
بحسب ما نشره غراهام على منصة «إكس»، سأل قائد الجيش «بشكل مباشر» إن كان يعتبر «حزب الله» منظمة إرهابية، فكان جواب هيكل: «لا، ليس في سياق لبنان»، وعندها قال غراهام إنه أنهى اللقاء فوراً. وأرفق ذلك بتأكيد أن الحزب «منظمة إرهابية بوضوح»، وذكّر بأن «الدم الأميركي على يديه»، في إشارة إلى تاريخٍ طويل من العداء الأميركي للحزب وتصنيفه على اللوائح الأميركية.
ردة الفعل لم تقف عند حدود «الاستياء»؛ إذ ذهب بعض التغطيات الأميركية إلى أن غراهام لوّح عملياً بسؤال «جدوى» الاستمرار في دعم الجيش إذا بقيت هذه «الفجوة» قائمة بين الرؤية الأميركية واللغة الرسمية اللبنانية.
I just had a very brief meeting with the Lebanese Chief of Defense General Rodolphe Haykal. I asked him point blank if he believes Hezbollah is a terrorist organization. He said, “No, not in the context of Lebanon.” With that, I ended the meeting.They are clearly a terrorist…
— Lindsey Graham (@LindseyGrahamSC) February 5, 2026
جواب هيكل يرفع تكلفته في واشنطن
في الداخل اللبناني، ليست المشكلة فقط في الموقف من «حزب الله»؛ بل في وظيفة الجيش بوصفه «مؤسسة جامعة» داخل بلد يقوم توازنه السياسي على تركيبات طائفية وحساسيات وجودية. ولذلك، فإن نقل تصنيف خارجي، حتى لو كان أميركياً، إلى خطاب صادر عن رأس المؤسسة العسكرية يمكن أن يُقرأ محلياً بوصفه خطوة تُفجّر انقساماً سياسياً ومذهبياً، أو تُدخل الجيش في اشتباك مع «مكوّن» له تمثيل حزبي وشعبي. هذا بالضبط ما يفسّر كيف خرجت أصوات لبنانية، حتى من خصوم الحزب، للدفاع عن منطق «الدولة لا تعتمد هذا التصنيف»، وبالتالي لا يستطيع قائد الجيش تبنّيه صيغةً رسمية.
بمعنى آخر، هيكل حاول تفادي لغتين متصادمتين؛ لغة واشنطن القانونية والسياسية تجاه «حزب الله»، ولغة الدولة اللبنانية التي تُمسك بخيطٍ رفيع بين مطلب حصرية السلاح وتجنب إعادة إنتاج شرخ أهلي.
موقف «الخارجية» الأميركية
وسط ضجيج لقاء غراهام، برز موقف رسمي أميركي صدر أمس عبر حساب السفارة الأميركية في بيروت (التابع لـ«الخارجية» الأميركية)، رحّب بالزيارة وركّز على جوهر الرسالة الأميركية، قائلاً إن «العمل المتواصل للجيش اللبناني لنزع سلاح الجهات غير الحكومية وتعزيز السيادة الوطنية بوصفه ضامن أمن لبنان، بات أكثر أهمية من أي وقت مضى». وعدت هذه الصياغة مهمّة لأنها تفصل بين مستويين: استمرار الرهان الأميركي على الجيش بوصفه قناة للدولة، وربط هذا الرهان عملياً بملف نزع سلاح الجهات غير الحكومية، وهي عبارة تُستخدم لتجنّب التسمية المباشرة، لكنها تُفهم في سياق لبنان على أنها تعني «حزب الله» في المقام الأول.
Disarming Iranian proxy terror groups and cultivating peace in the Middle East are essential parts of @POTUS’s agenda. Today SBO Palladino met with Lebanese Chief of Defense General Haykal to continue discussions regarding the United States’ support of Lebanon’s effort to…
— U.S. State Dept – Near Eastern Affairs (@StateDept_NEA) February 5, 2026
مسار الزيارة
رغم الإحراج السياسي، لم تُختزل زيارة العماد هيكل في لقاء واحد؛ فقد جرت لقاءات عسكرية على مستوى رفيع، بينها اجتماع مع قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) الأدميرال براد كوبر، ورئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الجنرال دان كاين. ووفق بيان من متحدث باسم هيئة الأركان الأميركية، قال إن اللقاء «أعاد التأكيد على أهمية علاقات الدفاع الأميركية المستمرة في الشرق الأوسط».
كما تزامنت الزيارة مع نقاشات أوسع في واشنطن حول دعم الجيش وخطة بسط سلطة الدولة، في وقت كانت فيه تقارير دولية تتحدث عن انتقال لبنان إلى مراحل جديدة في «خطة» تفكيك بنى السلاح غير الشرعي جنوباً وشمالاً.
زيارة قائد الجيش اللبناني كانت تأخرت في الأصل على خلفية تضيف طبقة أخرى لفهم حساسية واشنطن من «لغة» المؤسسة العسكرية؛ ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، نقلت مصادر عن «الخارجية» الأميركية، أن الولايات المتحدة ألغت اجتماعات كانت مقررة في واشنطن مع قائد الجيش اللبناني، بعد اعتراض على بيان للجيش بشأن توترات الحدود مع إسرائيل، ما دفع حينها إلى إرجاء الزيارة تفادياً لفشل سياسي مسبق.

