هذا التقرير ليس بيانًا سياسيًا؛ إنه تشريح اقتصادي. يتعلق الأمر بحساب الخراب. بين عامي 2013 و2025، شهدت جمهورية فنزويلا البوليفارية أكبر انكماش اقتصادي في التاريخ الحديث لدولة ليست في حالة حرب. ووفقاً لبيانات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، فقد تبخر الاقتصاد ما يقرب من 80% من ناتجه المحلي الإجمالي، وهو رقم يتضاءل أمامه ما حدث للولايات المتحدة في فترة الكساد الكبير (29%) وللاتحاد السوفييتي أثناء انهياره.
وبالنسبة للمراقب الدولي، وخاصة في آسيا، يقدم هذا الانهيار دراسة حالة بالغة الأهمية حول “الهيمنة المالية” وتدمير آلية الأسعار. ولم يكن ذلك نتيجة لانخفاض أسعار النفط، أو العقوبات الخارجية فحسب، بل كان ذلك نتيجة للحتمية الرياضية لقرارات فنية محددة: تحويل العجز إلى أموال، ومصادرة سلاسل التوريد، وإلغاء رأس مال شركة النفط الحكومية (PDVSA).
يتم عرض التشريح الفني لهذا الانفجار الداخلي هنا في أربعة أعمال متميزة.
الفصل الأول: لعنة الموارد و”الصندوق الفارغ” (2013-2014)
المرض الهولندي والسراب الصيني: عندما تولى نيكولاس مادورو السلطة في عام 2013، ورث اقتصاداً يمر بمرحلة حادة من “المرض الهولندي”. ظلت البلاد تعتمد بنسبة 96٪ على صادرات النفط للحصول على العملات الأجنبية. وأصبح القطاع غير النفطي القابل للتداول غير قادر على المنافسة بسبب المبالغة في تقدير قيمة العملة (البوليفار) وسنوات من المصادرة.
وقد حجب الهشاشة الهيكلية أسعار النفط التي بلغ متوسطها 100 دولار للبرميل. ومع ذلك، على النقيض من النرويج أو دول الخليج، التي استخدمت صناديق الثروة السيادية لتعقيم السيولة الفائضة، كان صندوق استقرار الاقتصاد الكلي في فنزويلا فارغا فعليا، حيث كان يحتفظ بأقل من 3 ملايين دولار عندما بدأت الأزمة.
الخطأ الاستراتيجي: عندما انهارت أسعار النفط الخام في أواخر عام 2014، واجهت الدولة خيارا ثنائيا: التقشف المالي أو التوسع النقدي. واختار الأخير. وحاولت الإدارة سد الفجوة المالية ــ التي تقترب من 15% من الناتج المحلي الإجمالي ــ ليس عن طريق خفض الإنفاق، بل عن طريق توسيع القاعدة النقدية.
الارتباط الآسيوي – السكك الحديدية إلى لا مكان: تميزت هذه الفترة بالاقتراض الضخم وغير الشفاف من الصين (ما يقرب من 60 مليار دولار في صفقات القروض مقابل النفط). ومن الأمثلة البارزة على فشل هذا العصر هو خط السكك الحديدية تيناكو-أناكو، وهو عقد للسكك الحديدية عالية السرعة بقيمة 7.5 مليار دولار تم منحه لمجموعة السكك الحديدية الصينية. كان الهدف منه ربط السهول الزراعية، ولكن تم التخلي عن المشروع بحلول عام 2015 بسبب عدم السداد. واليوم، تقف بقايا المصانع المنهوبة بمثابة نصب تذكاري لعدم كفاءة نموذج “الدولة الريعية”.
القانون الثاني: موت آلية الأسعار (2015-2018)
صدمات العرض و”قانون الأسعار العادلة”: مع ارتفاع التضخم، ارتكبت الحكومة خطأً فنياً فادحاً: فقد هاجمت العرض (الأسعار) بدلاً من السبب (السيولة). حدد “قانون الأسعار العادلة” لعام 2014 هوامش الربح وفرض مبيعات أقل من تكلفة الاستبدال.
وكانت النتيجة الاقتصادية بمثابة صدمة العرض السلبية. وأوقف المصنعون، بسبب عدم قدرتهم على تغطية التكاليف الحدية، خطوط الإنتاج. وارتفع مؤشر ندرة السلع الأساسية إلى أكثر من 80%. ولإدارة التداعيات، قامت الحكومة بعسكرة توزيع الغذاء، والتحول من اقتصاد السوق إلى نظام تقنين زبائني عرضة للفساد على نطاق واسع.
الدوامة النقدية – التضخم المفرط: في الوقت نفسه، فقد البنك المركزي الفنزويلي (BCV) كل استقلاليته، وعمل كمطبعة لوزارة المالية. وأدى ذلك إلى التضخم المفرط ــ الذي يُعرف تقنيا بأنه تضخم شهري يتجاوز 50% ــ في نوفمبر/تشرين الثاني 2016. وبحلول عام 2018، وصل التضخم السنوي إلى مستوى فلكي بلغ 130.060% (أرقام BCV الرسمية)، على الرغم من أن تقديرات صندوق النقد الدولي كانت أعلى.
إعادة تسمية العملة ـ تاريخ من الأصفار: لإخفاء انهيار قيمة العملة، انخرطت الدولة في عملية إعادة تسمية متسلسلة.
2008: إزالة 3 أصفار (بوليفار فويرتي). 2018: إزالة 5 أصفار (البوليفار السيادي). 2021: إزالة 6 أصفار (البوليفار الرقمي).
وفي المجمل، تم تجريد 14 صفرًا من العملة خلال 13 عامًا. وفي غياب الإصلاح البنيوي لوقف المطابع، كانت هذه التدابير مجرد تعديلات محاسبية تجميلية بحتة فشلت في استعادة وظيفة “مخزن القيمة” للنقود.
المحور التكنولوجي الفاشل – “البترو”: في محاولة يائسة لتجاوز الحصار المالي، أطلق النظام “بترو” في عام 2018، ويُزعم أنها أول عملة مشفرة مدعومة من الدولة في العالم مرتبطة باحتياطيات النفط. لقد فشلت بسبب انعدام الثقة، والغموض الفني، وعدم قدرتها على التداول في البورصات الدولية. وبدلاً من الثورة المالية، أصبحت وسيلة أخرى للتمويل غير المشروع قبل أن يتم تفكيكها بهدوء.
الفصل 3: عطل في المحرك (انهيار شركة النفط الوطنية الفنزويلية)
تقليص رأس المال وهجرة الأدمغة: الرواية القائلة بأن العقوبات قتلت صناعة النفط غير مكتملة. وتشير البيانات إلى أن الانهيار بدأ قبل فترة طويلة من العقوبات الصارمة التي فرضت في عام 2019. كان السبب الجذري هو التدمير المنهجي لرأس المال البشري والمادي داخل شركة النفط الحكومية PDVSA.
وفي أعقاب ضربات عام 2003، قامت السلطة التنفيذية بفصل أكثر من 18 ألف تكنوقراط ــ الجيولوجيين، ومهندسي الخزانات، والمديرين ــ مما أدى إلى تجريد الشركة من ذاكرتها المؤسسية. وتم استبدالهم بالموالين السياسيين.
وفي صناعة النفط كثيفة رأس المال، يعد الفشل في الاستثمار في الاستهلاك والإطفاء (D&A) أمرًا قاتلاً. توقفت شركة PDVSA عن حقن الماء والغاز في الآبار القديمة للحفاظ على الضغط. النتيجة: انخفاض الإنتاج من 3 ملايين برميل يوميًا إلى أقل من 700 ألف برميل يوميًا بحلول عام 2020.
فشل البنية التحتية – انقطاع التيار الكهربائي عام 2019: تم إغلاق الانهيار بسبب الفشل المادي لشبكة الكهرباء. أدى انقطاع التيار الكهربائي على مستوى البلاد في مارس/آذار 2019، بسبب حرائق الغابات وإهمال خطوط النقل في سد جوري، إلى إصابة البلاد بالشلل لعدة أيام. وبدون الكهرباء اللازمة لتشغيل شركات التطوير في حزام أورينوكو، تحول النفط الخام الثقيل إلى حمأة في الأنابيب، مما تسبب في أضرار دائمة للبنية التحتية. هذا الحدث وحده كلف الاقتصاد ما يقدر بنحو 2.9 مليار دولار من الناتج المحلي الإجمالي.
الفصل الرابع: الاقتصاد الزومبي والدولرة (2019-2025)
الاستسلام للدولار: بحلول عام 2019، وفي مواجهة الانهيار التام، استسلمت الإدارة ضمنيًا للسوق. وتم التخلي عن مراقبة الأسعار، وتم السماح للدولار الأمريكي بالتداول بحرية (الدولرة الفعلية).
أدى هذا إلى إيقاف النزيف التضخمي المفرط ولكنه قسم الأمة إلى اقتصادين متميزين.
الاقتصاد الدولاري (20%): قطاع تغذيه التحويلات المالية، وصادرات الذهب غير المشروعة إلى تركيا/الإمارات العربية المتحدة، والتعاقدات الحكومية. تتسوق هذه المجموعة في “البوديغون” الراقية بهدف تكرار أنماط الحياة في ميامي في كاراكاس. اقتصاد البوليفار (80%): عمال القطاع العام والمتقاعدون الذين يكسبون
العملة المحلية، التي طمست قدرتها الشرائية.
الوضع في عام 2025: “وسادة شيفرون”: بحلول أواخر عام 2025، استقرت فنزويلا وتحولت إلى “اقتصاد زومبي” – ليس ميتا، ولكنه ليس حيا حقا. وعاد إنتاج النفط إلى 900 ألف برميل يوميا، مدعوما بتراخيص محددة لشركة شيفرون (الولايات المتحدة) وصفقات المبادلة مع ريلاينس إندستريز (الهند) التي تنطوي على النافتا مقابل النفط الخام.
ومع ذلك، في ظل القطاع المصرفي المتعطش للائتمان (بسبب متطلبات الاحتياطي بنسبة 73٪) وتدمير المرافق العامة، ظل النمو المستدام مستحيلا من الناحية الحسابية.
مقاييس عدم المساواة: ارتفع معامل جيني من 40.7 في عام 2014 إلى 53.9 في عام 2024، مما يجعل فنزويلا الدولة الأكثر عدم مساواة في الأمريكتين.
النقطة الفاصلة: الانهيار الفنزويلي هو بمثابة دراسة حالة قاتمة لفشل المنافع العامة. تتمثل الولاية الاقتصادية الأساسية للدولة في توفير عملة مستقرة والأمن والبنية التحتية الأساسية (الكهرباء/المياه). وعندما تفشل الحكومة في حماية قيمة المال أو استقرار الشبكة، فإن شرعيتها الاقتصادية تتبخر.
إن النزوح الجماعي لنحو 7.7 مليون فنزويلي (حوالي 25% من السكان) يمثل خسارة هائلة لرأس المال البشري من شأنها أن تعيق تعافي البلاد لعقود من الزمن. ولم تكن الأزمة نتيجة لانخفاض أسعار النفط ــ فقد نجت دول نفطية أخرى ــ بل كانت نتيجة لتفكيك الأطر المؤسسية التي تسمح للاقتصاد بأداء وظائفه.
الملحق الإحصائي: بطاقة أداء الانهيار*
*البيانات مجمعة من BCV وصندوق النقد الدولي ومصادر أوبك الثانوية وENCOVI
أمير رضا إيتاسي، الرئيس التنفيذي السابق في صناعة النفط والغاز ويتمتع بخبرة تزيد عن عشر سنوات في تقاطع اقتصاديات الطاقة والإصلاح المؤسسي وإدارة القطاع العام، وهو محلل اقتصادي وسياسي إيراني مقيم في طهران، وصحفي ومستشار استراتيجي. يمكن التواصل معه على Amir.etasi@gmail.com

