
يطل رئيس مجلس النواب نبيه بري، يوم غد الأحد ليتحدث في الذكرى ال47 لتغييب الامام موسى الصدر ورفيقيه.
أهمية هذه الإطلالة تأتي كونها في مرحلة حساسة وخطيرة.
الرئيس بري الذي لطالما مثّل نقطة توازن في المشهد السياسي، لم يُخفِ قلقه الواضح من مفاعيل إثارة ملف السلاح في التوقيت الراهن، وهو يحذر دائما أمام من يلتقيهم من منزلقات خطيرة قد تقود البلاد نحو التشنج وربما التفكك.
تحذير الرئيس بري لا يأتي من فراغ، بل ينبع من قراءة واقعية لمناخ داخلي مأزوم، ومشهد إقليمي يتغيّر بسرعة، وسط غياب التوافق الوطني حول القضايا السيادية الكبرى.
ويطرح هذا الموقف تساؤلات جوهرية حول جدوى طرح ملف السلاح الآن، ومن المستفيد من تحريكه دون توافق مسبق أو رؤية وطنية جامعة.
ما يخشاه بري وهو الذي يدرك تفاصيل البنية اللبنانية الهشة ليس النقاش حول الاستراتيجية الدفاعية بحدّ ذاتها، بل الشكل الذي يُطرح فيه هذا الموضوع، والنيات الكامنة خلف التوقيت والسياق. فهو يعلم أن فتح هذا الملف في العلن، ورفعه كشعار سياسي، قد يُفجّر الشارع ويعيد الانقسام الطائفي والسياسي إلى أشدّه.
ولعل أكثر ما يُقلق بري هو تكرار سيناريوهات سابقة، حيث جرى استخدام ملف السلاح كأداة تعبئة داخلية وخارجية، دون التنبّه إلى تداعيات ذلك على الاستقرار.
لذلك، يُحاول رئيس المجلس أن يُمسك العصا من الوسط: لا في موقع المبرّر المطلق لبقاء السلاح، ولا في موقع المنادي بإسقاطه بشكل يخلّ بالتوازنات.
ومن المعلوم أن ملف سلاح حزب الله من أعقد القضايا في لبنان. فهو من جهة مرتبط بدور الحزب الإقليمي وعلاقته بإيران، ومن جهة أخرى محكوم بموقعه في المعادلة الداخلية، كجزء من مكوّن أساسي في التركيبة الطائفية والسياسية. من هنا، فإن أي نقاش حوله يخرج تلقائيًا من الإطار العسكري إلى البُعد السيادي والوطني.
وبرغم كل المحاولات السابقة لإيجاد مقاربة توافقية لهذا الملف، إلا أن غياب الثقة بين الأطراف، وارتباط السلاح بصراعات أكبر من الداخل اللبناني، جعلا أي حوار حوله أشبه برفع الغطاء عن برميل بارود.
ما الذي يخشاه بري فعلًا؟
يبدو أن الخوف الحقيقي لدى رئيس المجلس لا يقتصر على الشارع، بل يمتد إلى مصير النظام السياسي برمّته. فالنقاش حول السلاح قد يتحوّل إلى مدخل لمراجعة أوسع للنظام، وربما للمطالبة بتعديلات جذرية على مستوى الصلاحيات أو تركيبة الحكم، وهو ما لا يريد أحد الدخول فيه الآن، في ظل انهيار اقتصادي وغياب أفق سياسي.
لذلك، فإن تحذير بري ليس دفاعًا عن الحزب بقدر ما هو دفاع عن “الستاتيكو”، أي حالة التوازن الهشّ التي ما زالت تمنع الانفجار الكامل. وهو بذلك يدعو إلى مقاربة مختلفة، ليس السكوت عن الملف، ولكن تأجيله إلى حين توافر مناخ حواري وطني حقيقي.
في بلد لا يملك ترف الوقت ولا القدرة على المزيد من الانقسام، يبدو أن الرئيس بري سيُطلق غدا صرخة تنبيه مبكرة. فإدخال ملف السلاح في بازار السياسة الداخلية دون سقف توافقي، سيؤدي حتمًا إلى تصعيد يهدد ما تبقّى من سلم أهلي ومؤسسات دستورية.
يبقى السؤال: هل يتلقّف الآخرون هذه التحذيرات، أم أن الانقسام سيُستكمل إلى ما بعد الخطوط الحمر، حيث لا حوار ينفع، ولا خوف يُجدي؟