
في عبارة مكثفة الدلالة وعالية السقف، قال رئيس مجلس النواب نبيه بري أن “لا ضوابط لما يجري في الجنوب يومياً”، جملة تختصر مشهداً أمنياً وسياسياً بالغ الخطورة، وتفتح الباب واسعاً أمام أسئلة كبرى حول السيادة، ودور الدولة، وحدود الاشتباك المفتوح مع العدو الإسرائيلي على احتمالات لا يمكن ضبطها ولا التنبؤ بمآلاتها.
كلام بري لا يمكن التعامل معه بوصفه توصيفاً عابراً أو انفعالاً سياسياً، بل هو تشخيص دقيق لحالة الانفلات التي تحكم الواقع في الجنوب ومناطق أخرى م لبنان، حيث تتحول القرى والبلدات إلى ساحات مستباحة من قبل إسرائيل، وتُسجَّل الاعتداءات بوتيرة شبه يومية، من دون أي رادع فعلي، وهو بذلك يضع الإصبع على الجرح الأكثر إيلاماً، غياب الضوابط يعني غياب الدولة، أو على الأقل عجزها عن فرض منطقها في واحدة من أكثر المناطق حساسية في لبنان.
الجنوب اليوم يعيش على إيقاع القلق الدائم، لا خطوط حمراء واضحة، ولا سقف محدداً للتصعيد الإسرائيلي، ولا ضمانات دولية او اقليمية بأن ما هو قائم لن ينزلق في أي لحظة إلى حرب جديدة وواسعة هذه المرة.
هذا الواقع لا يهدد الأمن في لبنان فحسب، بل يضعه كله في دائرة الخطر، إذ إن أي خطأ في الحسابات أو تطور مفاجئ قد يفتح أبواباً لا قدرة للبلاد على تحمل كلفتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
من هنا، يكتسب موقف بري بعداً وطنياً يتجاوز موقعه السياسي، فهو يتحدث بلسان شريحة واسعة من اللبنانيين الذين يشعرون بأن الجنوب يُدار بمنطق الأمر الواقع، وأن الدولة غائبة عن قرار السلم والحرب، أو عاجزة عن حماية أرضها ومواطنيها.
واللافت في كلامه أنه لا يحمّل المسؤولية لطرف داخلي بعينه، بل يسلّط الضوء على النتيجة الخطيرة: واقع بلا ضوابط، أي بلا قانون، وبلا توازن، وبلا أفق.
هذا الانفلات يضع الحكومة والمؤسسات الرسمية أمام اختبار حقيقي. فالصمت أو الاكتفاء ببيانات عامة لم يعد كافياً في ظل التدهور المتسارع. المطلوب مقاربة سياسية وأمنية شاملة تعيد الاعتبار لدور الدولة، وتؤكد أن الجنوب ليس ساحة مفتوحة ولا صندوق رسائل متبادلة. كما أن استمرار هذا الواقع يهدد بتكريس معادلة خطيرة قوامها التعايش القسري مع التصعيد، وكأن الخطر بات جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية.
كما أن كلام بري يحمل رسالة إلى الداخل والخارج معاً. إلى الداخل، بأن الاستمرار في إدارة الأزمة بمنطق الإنكار أو التكيّف سيقود حتماً إلى انفجار أكبر. وإلى الخارج، بأن لبنان لا يمكن أن يبقى رهينة الاعتداءات المفتوحة، ولا ساحة بلا ضوابط لتصفية الحسابات، فيما شعبه يدفع الثمن من أمنه واستقراره.
الجنوب، كما يريده بري، ليس عنوان مواجهة دائمة، بل خط دفاع عن السيادة والكرامة الوطنية، لكن السيادة لا تُصان بالفوضى، ولا تُحمى في ظل غياب الضوابط. من هنا، فإن خطورة المرحلة تكمن في أن الانفلات إذا طال، قد يتحول إلى واقع دائم، تُمحى معه الحدود بين التصعيد المحسوب والانفجار الشامل.

