
منذ عودته إلى واجهة القرار الأميركي في ولايةٍ ثانية، يتصرّف الرئيس دونالد ترامب بعقلية رجل الأعمال الذي يرى العالم شركةً كبرى قابلة لإعادة الهيكلة، لا منظومةً دولية محكومة بتوازنات دقيقة وقواعد راسخة. خطابه السياسي، كما ممارساته، يعكسان نزعةً توسعية ناعمة تارة، وصدامية تارةً أخرى، عنوانها الأبرز: «أميركا أولاً»، ولو على حساب العالم كلّه.
الرئيس ترامب لا يُخفي قناعته بأن الولايات المتحدة دفعت أثماناً باهظة لحماية النظام الدولي، وأن الوقت حان لـ«استرداد» هذه الكلفة سياسياً واقتصادياً، وخصوصاً على مستوى النفط. من هنا، تتحوّل العلاقات الدولية في عهده إلى سلسلة من الصفقات: حلفاء يُطلب منهم الدفع مقابل الحماية، خصوم يُضغط عليهم بالعقوبات والتهديد، ومؤسسات دولية تُعامَل كعبء يجب تقليصه أو تطويعه.
في هذا السياق، تبدو سياسة ترامب كأنها محاولة لابتلاع العالم عبر الاقتصاد والتكنولوجيا والنفوذ السياسي، لا عبر الجيوش وحدها.
في الشرق الأوسط، تتجلّى هذه المقاربة بوضوح؛ المنطقة تُختصر في معادلات أمنية ومالية، وتُدار بمنطق القوّة والردع، لا بمنطق الحلول المستدامة. أمّا في أوروبا، فيُعاد فتح ملفّ الحلف الأطلسي، ليس بوصفه شراكةً استراتيجية، بل كفاتورة متأخّرة. حتى الصين، الخصم الأكبر، تُواجَه بحرب تجارية وتكنولوجية عنوانها كسر الصعود ومنع إعادة تشكيل موازين القوى العالمية.
غير أنّ «ابتلاع العالم» على الطريقة «الترامبية» لا يخلو من تناقضات. فسياسة الضغط الأقصى تولّد، في المقابل، اصطفافاتٍ مضادّة، وتدفع قوى دولية وإقليمية إلى البحث عن بدائل تُقلّل الاعتماد على واشنطن. كما أنّ تقويض الأطر متعدّدة الأطراف يُضعف القدرة الأميركية على القيادة، ويحوّل القوّة من عنصر جذب إلى عامل نفور.
وحيال ما تقدّم، لا يسعى ترامب إلى حكم العالم بقدر ما يسعى إلى إخضاعه لشروطه. عالمٌ يُدار بعقلية الصفقة، حيث الرابح يأخذ كلّ شيء، والخاسر يدفع الثمن. لكنّ التاريخ يُثبت أنّ الهيمنة المطلقة وهم، وأنّ العالم الذي يُبتلع بالقوّة سرعان ما يبحث عن طرق للهروب من قبضة من يظنّ نفسه مالكه الأوحد.

