
يبدو المشهد الدولي في هذه المرحلة أقرب ما يكون إلى صراع غير متكافئ بين فيلة تتدافع بقوتها الهائلة، ونمل يحاول النجاة وسط ارتجاج الأرض من حوله. القوى الكبرى تتصارع على النفوذ والموارد والممرات الاستراتيجية، فيما تقف الدول الصغيرة والشعوب الضعيفة في مرمى النتائج، تدفع الأكلاف السياسية والاقتصادية والأمنية من دون أن تكون طرفا فعليا في القرار.
الفيلة في هذا المشهد ليست مجرد دول عظمى، بل منظومات قوة كاملة: اقتصاد ضخم، تفوق عسكري، نفوذ سياسي، وهيمنة إعلامية. قراراتها، مهما بدت محلية أو تكتيكية، تتحول إلى زلازل عالمية. حرب هنا، عقوبات هناك، توتر في سوق الطاقة والذهب، فتنتقل العدوى سريعا إلى أقصى بقاع الأرض. أما النمل، فهو الدول الهشة، المجتمعات الضعيفة، والاقتصادات الصغيرة التي لا تملك ترف المناورة، ولا أدوات الحماية.
ما يميز هذا الصراع أنه لا يُدار وفق قواعد أخلاقية واضحة، بل تحكمه منطق القوة والمصلحة. تُرفع شعارات القانون الدولي وحقوق الإنسان عندما تخدم موازين القوى، وتُهمّش عندما تتعارض مع الحسابات الكبرى. في هذه البيئة، يصبح النمل مجرد أرقام في نشرات الأخبار: نازحون، فقراء، ضحايا تضخم أو مجاعات صامتة. لا أحد يسأل عنهم إلا عند الحاجة إلى توظيف معاناتهم في الخطاب السياسي.
الاقتصاد العالمي هو الساحة الأكثر وضوحا لهذا الصراع. قرارات نقدية تتخذها عواصم كبرى تؤدي إلى خنق عملات دول نامية، وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة يضغط على مجتمعات بالكاد كانت قادرة على الصمود. وبينما تملك الفيلة احتياطات وخططا بديلة، يجد النمل نفسه أمام خيارات قاسية: تقشف، اضطرابات اجتماعية، أو انهيار تدريجي لمؤسسات الدولة.
سياسيا، يتعمق الاستقطاب، وتُعاد رسم خرائط النفوذ. مناطق كانت على هامش الاهتمام تتحول فجأة إلى ساحات تنافس، لا لذاتها، بل لموقعها أو مواردها. وفي خضم ذلك، تُستنزف الدول الصغيرة في صراعات بالوكالة، تُفرض عليها تحالفات أو خصومات لا تعكس مصالح شعوبها بقدر ما تعكس صراع الكبار.
لكن الصورة ليست قاتمة بالكامل، فالنمل، رغم ضعفه الظاهر، يملك عناصر قوة كامنة: القدرة على التكيّف، والانتشار، والعمل الجماعي، فبعض الدول الصغيرة نجحت في بناء سياسات توازن دقيقة، تنأى بنفسها عن الاصطفافات الحادة، وتستثمر في الدبلوماسية والاقتصاد والشراكات المتعددة.
لكن يبقى الخطر الأكبر أن يستمر صراع الفيلة بلا ضوابط، فتُسحق مساحات أوسع من العالم تحت أقدامها، وعندها لن يكون النمل وحده الخاسر، لأن الفوضى الشاملة لا تعترف بحدود، وقد تعود ارتداداتها لتصيب الجميع. من هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة الاعتبار لمنطق التوازن، واحترام مصالح الدول الصغيرة، ليس من باب الشفقة، بل من باب العقلانية السياسية.

