هيمنت الصين على قطاع المعادن النادرة المستخدمة على نطاق واسع في الصناعات المدنية والعسكرية، بعد عقود من التخطيط والاستثمار، وبتوجيه من أعلى مستويات القيادة في ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
ويمكن تتبع جذور هيمنة الصين على المعادن الأرضية إلى منجم لخام الحديد قرب مدينة باوتو في شمال البلاد، على بُعد نحو 50 ميلاً (نحو 80.47 كيلومتر) من الحدود مع منغوليا، وفق صحيفة “نيويورك تايمز”، أشارت الصحيفة إلى اكتشاف الجيولوجيين الصينيين في أبريل 1964، أن المنجم يحتوي أيضاً على أكبر احتياطي في العالم من المعادن الأرضية النادرة، وهي مجموعة تضم 17 معدناً أصبحت مكونات أساسية في الاقتصاد العالمي المعاصر.
وزار دينج شياو بينج، رئيس الصين السابق في الفترة من عام 1978 إلى 1992، حين كان مسؤولاً رفيعاً في الحزب الشيوعي الصيني، المنجم الصحراوي المملوك لشركة فولاذ عسكرية، لتفقد هذا المخزون الضخم، إذ شدد على أن البلاد “تحتاج إلى تطوير صناعة الصلب، وتحتاج أيضاً إلى تطوير المعادن الأرضية النادرة”.
استراتيجية قديمة
تُستخدم المعادن الأرضية النادرة والمغناطيسات المصنوعة منها، في قائمة طويلة من الصناعات المدنية والعسكرية، من السيارات إلى الطائرات المقاتلة.
وبوصفها المورد الأول عالمياً، حظيت الصين بنفوذ هائل على قطاع التصنيع، وقيادة تقنيات الطاقة النظيفة مثل السيارات الكهربائية، وتوربينات الرياح، إذ تعتمد شركات عديدة حول العالم على الصادرات الصينية من هذه المغناطيسات.
ولم تأت أهمية الصين في سوق المعادن الأرضية النادرة، مصادفة، بل كانت ثمرة عقود من التخطيط والاستثمار داخل البلاد وخارجها، وكان ذلك غالباً بتوجيه من أعلى مستويات الحزب الشيوعي الحاكم والحكومة الصينية.
وواصل الرئيس الصيني دينج، دفع تقدم الصين في هذا المجال خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، بالتعاون مع ون جياباو، وهو جيولوجي تولى لاحقاً رئاسة الوزراء بين عامي 2003 و2013.
وفي عهد ون، وحدت الصين شبكة شديدة التشتت من الشركات، معظمها خاص، وحولتها إلى ذراع منضبطة تخضع لإدارة الحكومة الصينية. وأغلق ون مناجم يديرها مهربون، وعالج أسوأ أشكال التلوث في القطاع، لينمو القطاع من حيث الحجم والخبرة.
وفي عام 2019، وبعد 7 سنوات من توليه منصب الرئيس الصيني، وصف شي جين بينج المعادن الأرضية النادرة بأنها “مورد استراتيجي مهم”. وقد أظهر هذا العام استعداده لاستخدامها “أداة خنق” لسلاسل الإمداد العالمية، و”سلاحاً قوياً” في الحرب التجارية مع نظيره الأميركي دونالد ترمب.
وفي أبريل الماضي، ثم مجدداً في أكتوبر، فرضت الصين ضوابط جديدة على الصادرات، سمحت لها بحجب إمدادات المعادن الأرضية النادرة ومغناطيساتها، وإجبار ترمب على تقديم تنازلات بشأن الرسوم الجمركية التي كان فرضها على بكين.
وقال وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، إن قرار أكتوبر “وجه ضربة قوية إلى سلاسل الإمداد والقاعدة الصناعية للعالم الحر بأسره”.
ولم تشهد الولايات المتحدة تراجعاً حاداً في قدرتها على الحصول على معادن حيوية منذ حظر النفط العربي في أواخر عام 1973 ومطلع عام 1974، على خلفية حرب أكتوبر 1973 بين مصر وإسرائيل. وبينما أثر ذلك الحظر في ثلث إمدادات النفط العالمية، تنتج الصين اليوم 90% من المعادن الأرضية النادرة ومغناطيساتها في العالم.
وقال نيكولاس مولدر، المؤرخ المتخصص في الحظر والعقوبات بجامعة كورنيل، إن تحركات الصين هذا العام “تشكل بلا شك لحظة كبرى في تاريخ الجغرافيا الاقتصادية والعلاقات الدولية”.
دور مبكر للجيش الصيني
قفزت صناعة المعادن الأرضية النادرة في الصين إلى الأمام بفضل عملية عسكرية نُفذت قبل أكثر من 50 عاماً، خلال “الثورة الثقافية”. فقد أغلق “الحرس الأحمر” التابع لماو تسي تونج، معظم المدارس والجامعات تقريباً، وكان الزمن يبدو غير ملائم لتحقيق إنجاز تكنولوجي، بينما أصبح رجل طويل ونحيل من مدينة شاوشينج قرب شنغهاي، هو شو جوانجشيان، الأب الروحي للصناعة في الصين.
وكان شو مولعاً بلعبة GO الصينية القديمة، ويقرأ بنهم روايات الفنون القتالية. وبعد وقت قصير من الحرب العالمية الثانية، نال درجة الدكتوراه في الكيمياء من جامعة كولومبيا الأميركية، ثم عاد إلى بلاده ليُدرس ويجري أبحاثاً في جامعة بكين. واكتشف طريقة جديدة لمعالجة اليورانيوم، شكلت طفرة في مساعي الصين لبناء قنبلة ذرية، ومهدت للدور الذي سيلعبه لاحقاً في مجال المعادن الأرضية النادرة.
لكن شو، سُجن خلال “الثورة الثقافية”. وفي عام 1971، أُعيد اعتباره سياسياً وأُعيد إلى جامعة بكين.
أوكل الجيش الصيني لشو جوانجشيان، مهمة ابتكار طريقة جديدة لتنقية عينات خالصة من المعادن الأرضية النادرة، لاستخدامها في تجارب على أشعة الليزر في ساحات القتال.
وتُعد تنقية هذه المعادن، عملية بالغة الصعوبة. فقد أطلق الكيميائيون الأوائل عليها وصف “نادرة” ليس لندرتها في الطبيعة، بل لصعوبة فصلها عن بعضها بعضاً.
وظل شو وزوجته جاو شياوشيا، وهي مهندسة كيميائية بارزة، يعملان داخل مختبر في جامعة بكين، حيث حققاً “إنجازاً ثورياً” يتمثل في القدرة على تنقية المعادن الأرضية النادرة باستخدام حمض الهيدروكلوريك الرخيص وخزانات بلاستيكية زهيدة موصولة معاً.
وكانت المعادن المختلطة تُسكب من أحد الأطراف، ثم تخرج أنواع محددة منها من منافذ مختلفة بعد ارتباطها بمذيبات متنوعة. وكانت تلك أول “سلسلة تجميع” للمعادن الأرضية النادرة، بنسخة بدائية من عملية ما زالت تُستخدم حتى اليوم. ومع تقنيات شو، انهارت تكاليف الإنتاج.
قيادة زمام الأمور
بعد وفاة ماو تسي تونج، بدأ دينج شياو بينج، عند توليه الرئاسة، بتوطيد سلطته عبر برنامج اقتصادي ركز على العلوم والتكنولوجيا، واختار نائب رئيس الوزراء فانج يي للإشراف عليه في عام 1978. وسافر فانج، برفقة مجموعة من العلماء والمهندسين، إلى باوتو لتفقد صناعة المعادن الأرضية النادرة.
ونصت الخطة الخمسية التي صاغها دينج وفانج، للفترة من عام 1981 إلى 1985، على أن “تزيد الصين إنتاج المعادن الأرضية النادرة”.
وخلال فترة ثمانينيات الماضي، أنشأت الحكومة الصينية، أكثر من 100 بلدة وقرية في أنحاء الصين، مصافي لتكرير هذه المعادن، كثير منها مملوك للدولة، وقليل منها يمتلك ضوابط حقيقية للحد من التلوث. وبحلول عام 1986، أصبحت الصين أكبر منتج للمعادن الأرضية النادرة في العالم.
واعتمدت مصافٍ خارجية أيضاً، بعض تقنيات شو، ومن دون دفع أي عوائد، لعدم تسجيله براءات اختراع، وهو ما أثار استياءه لسنوات. وقال في مقابلة لاحقة مع مجلة صينية: “لم يكن لدينا أي مفهوم للسرية آنذاك”.
وفي ذلك الوقت، كانت المعادن الأرضية النادرة تُستخدم في صناعات تكنولوجية بسيطة نسبياً، لتعزيز صلابة الصلب أو تكرير النفط وصقل الزجاج.
لكن في مختبرات بميشيجان واليابان، بدأ مهندسون يكتشفون كيفية تحويل هذه المعادن إلى مغناطيسات فائقة القوة. وكانت المعادن الأرضية النادرة على وشك أن تصبح محور التصنيع المتقدم، وركيزة للعالم الحديث من حواسيب وهواتف ذكية وسيارات.
وفي عام 1983، أعلن مهندسون في شركة “جنرال موتورز” الأميركية، وشركة تصنيع المغناطيسات اليابانية “سوميتومو للمعادن الخاصة” Sumitomo Special Metals كل على حدة، تطوير مغناطيسات أرضية نادرة قوية. وسرعان ما استُخدمت في محركات كهربائية بصناعة السيارات وغيرها.
وكانت الصين تفتقر إلى الخبرة لتحويل المعادن الأرضية النادرة إلى مغناطيسات، وستشتري هذه المعرفة من الولايات المتحدة.
خروج “جنرال موتورز”
حولت “جنرال موتورز” اكتشافها إلى شركة تابعة مزدهرة لصناعة المغناطيسات في ولاية إنديانا، حملت اسم “ماجنيكوانش” Magnequench. لكن بعد عقد من الزمن، قررت الشركة التوقف عن تصنيع كثير من قطع السيارات داخلياً.
وفي عام 1995، بيعت “ماجنيكوانش” إلى تحالف من المستثمرين، ضم شركتين صينيتين يقودهما زوجا ابنتي دينج، وو جيانتشانج، وتشانج هونج. وفي عهد الرئيس بيل كلينتون، سمحت الحكومة الأميركية بالصفقة لأن غالبية المالكين كانوا أميركيين.
وكان المالكون الأميركيون في معظمهم، مستثمرين مؤسسيين، فيما قاد صهرا دينج شركات ذات صلات عميقة بصناعة مغناطيسات منخفضة التكلفة في الصين. وبدأت “ماجنيكوانش” في عام 2001 نقل معداتها إلى تيانجين ونينجبو، وأغلقت منشآتها في فالبارايسو بولاية إنديانا بحلول 2004.
وقال جيف كالفرت، وهو مدير سابق في “ماجنيكوانش” أُوكلت إليه مهمة الإشراف على تركيب المعدات في مصنع تيانجين، إن “كثيراً من المعدات في فالبارايسو جرى إخراجها من الخدمة وتفكيكها ووضعها على منصات مهيأة للشحن البحري”.
وأضاف أن المصنع الصيني، كان يستخدم سابقاً عمليات “متأخرة بما لا يقل عن 10 سنوات” عما طورته “ماجنيكوانش”.
وقد علمت هذه الخطوة، الصين كيفية تصنيع مغناطيسات المعادن الأرضية النادرة. لكن زيادة الإنتاج فاقمت مشكلة التلوث في المناجم، ما اضطر بكين إلى التحرك.
وكانت مصافي باوتو، تلقي كميات كبيرة من النفايات المشعة في موقع يهدد بتلويث النهر الأصفر.
واعتباراً من عام 2006، فرض ون جياباو، وقد كان آنذاك رئيساً للوزراء، حصصاً سنوية على صادرات المعادن الأرضية النادرة للحد من المعالجة وكبح التلوث. وبدأت عمليات تنظيف في مناجم باوتو، وشددت الحكومة سيطرتها على الشركات، ودمجتها تحت ملكية الدولة.
سلاح تجاري
وفي أواخر سبتمبر 2010، استُدعي نحو 20 من أقوى التنفيذيين في صناعة المعادن الأرضية النادرة، إلى قاعة اجتماعات داخل وزارة التجارة الصينية في بكين، بينما كانت الصين تواجه اليابان بشأن جزر غير مأهولة شمال تايوان.
وأبلغ مسؤول رفيع هؤلاء التنفيذيين، بوقف صادرات المعادن الأرضية النادرة إلى اليابان، بالإضافة إلى منع أي صادرات إضافية إلى دول قد تعيد توجيه الإمدادات إلى اليابان.
ومُنع الحديث علناً عن هذا الحظر، الذي لم يُعلن عنه رسمياً، لكنه أجبر الحكومة اليابانية على تقديم تنازلات بعد شهرين. غير أنه كشف أيضاً نقطة ضعف لبكين. فقد واصلت شبكات إجرامية صينية، كانت تسيطر على نحو نصف الإنتاج، تهريب المعادن إلى اليابان حتى أثناء الحظر.
وأمر ون بشن حملات أمنية لتفكيك تلك الشبكات. واقتحمت القوات مناجم غير قانونية ووضعتها تحت سيطرة بكين المباشرة.
وبعد 15 عاماً، بات واضحاً أن الحظر المفروض على اليابان، شكل نقطة تحول. فقد جرى إخضاع مناطق صناعية كانت خارجة عن السيطرة لهيمنة الحكومة، وأدركت بكين أنها تستطيع استخدام هذه السيطرة للي ذراع شركائها الجيوسياسيين والتجاريين.
ترسيخ تفوق الصين
وتعمل الصين في الوقت الحالي، على ترسيخ تفوقها، عبر تخريج أعداد من الفنيين والباحثين، تفوق أي دولة أخرى. وتقدم 39 جامعة برامج دراسية في مجال المعادن الأرضية النادرة.
ولا توجد برامج مماثلة في الولايات المتحدة أو أوروبا، حتى في جامعة ولاية آيوا، التي كانت يوماً ما تدرب أجيالاً من المهندسين الأميركيين في هذا المجال. ولم تقدم الجامعة أي مساقات دراسية في المعادن الأرضية النادرة منذ عدة سنوات، ولديها طالب دراسات عليا واحد فقط يدرس المجال بشكل مستقل، مع خطط لإطلاق مساق دراسي العام المقبل.
ويعمل مئات العلماء في الصين على استكشاف تقنيات هذه المعادن. وفي مصفاة بمدينة ووشي قرب شنغهاي، أمضى فنيون سبع سنوات في تجارب لتنقية معدن الديسبروسيوم إلى درجة فائقة من النقاء.
وتُعد هذه المصفاة اليوم، المصدر الوحيد في العالم لهذا المعدن، المستخدم في المكثفات، وهي أجهزة دقيقة للتحكم في الكهرباء، داخل رقائق الذكاء الاصطناعي “بلاكويل” التي تنتجها شركة “إنفيديا” الأميركية.
وكانت غالبية أسهم المصفاة، مملوكة حتى نهاية العام السابق 2025، لشركة “نيو بيرفورمانس ماتيريالز” الكندية، التي اشترت “ماجنيكوانش” في عام 2005.
وفي 1 أبريل الماضي، اشترت شركة صينية خاضعة لسيطرة الدولة معظم الأسهم. وبعدها بثلاثة أيام، أوقفت بكين صادرات الديسبروسيوم وستة أنواع أخرى من المعادن الأرضية النادرة إلى الولايات المتحدة وحلفائها.
وتصر الصين على حماية تفوقها التكنولوجي، إذ أوقفت معظم صادرات معدات معالجة المعادن الأرضية النادرة، وسحبت جوازات سفر الفنيين العاملين في هذا القطاع لمنعهم من مغادرة البلاد حاملين معلومات قيمة.
وخلال زيارة أُجريت في أواخر نوفمبر الماضي إلى مصفاة ووشي، كانت لافتة لامعة من الفولاذ عند البوابة الأمامية تحمل تحذيراً أمنياً يقول: “تحذير: وحدة سرية رئيسية”.

