
دخلت الإدارة العامة في لبنان مرحلة شلل شبه كامل مع إعلان رابطة موظفي الإدار ة العامة الإضراب العام ابتداءً من اليوم ولمدة أسبوع، احتجاجاً على ما تصفه بتجاهل الحكومة لمطالبها المحقة، وفي طليعتها تصحيح الرواتب والأجور والمعاشات بما يتلاءم مع الانهيار النقدي وتآكل القدرة الشرائية. خطوة تعكس احتقاناً مزمناً داخل القطاع العام، وتفتح مجدداً ملف الإصلاح المالي والاجتماعي الذي بقي عالقاً بين الحسابات السياسية وضيق الموارد.
الإضراب لا يأتي من فراغ، بل هو نتاج سنوات من المراوحة في معالجة أوضاع الموظفين، الذين وجدوا أنفسهم الحلقة الأضعف في معادلة الأزمة، فالأجور التي كانت تؤمّن الحد الأدنى من الاستقرار تحولت إلى مداخيل رمزية، في ظل تضخم غير مسبوق وارتفاع كلفة المعيشة، ما جعل الاستمرار في العمل أشبه بعبء يومي يفوق قدرة آلاف الموظفين على الاحتمال.
مصادر في الرابطة ترى أن مطلب تصحيح الرواتب لم يعد ترفاً أو امتيازاً، بل ضرورة اجتماعية وإدارية لضمان استمرارية المرفق العام. فالإدارة التي تقوم على موظفين منهكين ومهمّشين مالياً، تفقد تدريجياً فعاليتها وقدرتها على خدمة المواطنين، وهو ما ينعكس مباشرة على المعاملات اليومية، من السجلات العقارية والمالية إلى الدوائر الإدارية والخدمات الأساسية.
في المقابل، تبدو الحكومة محاصرة بمعادلة معقدة، فهي تدرك خطورة الانفجار الاجتماعي داخل الإدارة العامة، لكنها في الوقت نفسه تتحجج بضيق الإمكانات المالية وبغياب رؤية شاملة لإصلاح القطاع العام.
هذا التناقض بين الاعتراف بالمشكلة والعجز عن تقديم حلول عملية، يفاقم فقدان الثقة بين الموظفين والسلطة التنفيذية، ويدفع نحو مزيد من التصعيد.
الإضراب الحالي يحمل أبعاداً تتجاوز البعد المطلبي المباشر. فهو رسالة سياسية وإدارية في آن، مفادها أن تجاهل الحقوق لن يمر من دون كلفة، وأن المراهنة على تعب الموظفين وصمتهم لم تعد مجدية. كما أنه يضع الحكومة أمام اختبار جدي: إما فتح حوار منتج يقود إلى تصحيح تدريجي ومنصف للأجور، أو تحمل تبعات شلل إداري ستكون كلفته أكبر من أي زيادة محتملة في الرواتب.
على الصعيد العام، يدفع المواطن الثمن مجدداً. فتعطل الإدارات يضيف عبئاً جديداً على حياة الناس، ويكرّس صورة الدولة العاجزة عن إدارة أزماتها. ومع ذلك، يصعب تحميل الموظفين وحدهم مسؤولية هذا الواقع، إذ إن تحركهم يأتي دفاعاً عن الحد الأدنى من كرامتهم المعيشية، في ظل غياب سياسات حماية اجتماعية واضحة.

