لم يعد الذكاء الاصطناعي فكرةً مستقبليةً أو مادةً للخيال العلمي، بل تحوّل إلى واقعٍ يومي يقتحم المكاتب والمصانع وغرف الأخبار والمصارف وحتى العيادات. ومع تسارع انتشاره، يتقدّم سؤالٌ مقلقٌ إلى الواجهة: هل يهدّد الذكاء الاصطناعي وظائف البشر، أم أنّه يعيد تشكيل سوق العمل ويخلق أنماطاً جديدةً من الوظائف؟
إنّ هذا القلق ليس وهماً، فالتطوّر السريع في هذا السياق، وقدرات التعلّم الآلي، مكّن الأنظمة الذكية من أداء مهام كانت، حتى وقتٍ قريب، حكراً على البشر، من تحليل البيانات وكتابة النصوص، إلى خدمة الزبائن، والمحاسبة، والترجمة، والتصميم.
هذا الواقع دفع كثيرين إلى الاعتقاد بأن موجة تسريحٍ واسعةٍ من الوظائف قادمةٌ لا محالة، وأنّ اليد العاملة البشرية ستتحوّل إلى عبءٍ في عالمٍ يبحث عن السرعة والكلفة الأقل.
فالذكاء الاصطناعي لا يعمل في فراغ، بل ضمن منظومةٍ اقتصاديةٍ واجتماعيةٍ تتأثر بخيارات الشركات، وسياسات الدول، وقدرة المجتمعات على التكيّف. صحيحٌ أنّ وظائف تقليدية مهدّدة بالانكماش، لا سيّما تلك التي تقوم على مهام روتينية متكرّرة، إلّا أنّ التاريخ الاقتصادي يعلّمنا أنّ كلّ ثورةٍ تكنولوجيةٍ كبرى قضت على وظائف قديمة وخلقت، في المقابل، وظائف جديدة لم تكن موجودة.
إنّ التحدّي الحقيقي يكمن في سرعة التحوّل، فالذكاء الاصطناعي يتقدّم بوتيرةٍ أسرع بكثير من قدرة أنظمة التعليم والتدريب على مواكبته.
وهنا تكمن الخطورة، ليس في اختفاء الوظائف بحدّ ذاته، بل في اتّساع الفجوة بين المهارات المطلوبة والمهارات المتوافرة، فالعامل الذي لا يمتلك مهاراتٍ رقميةً أو قدرةً على التكيّف قد يجد نفسه خارج السوق في المراحل القادمة، فيما يزداد الطلب على اختصاصات جديدة مثل تحليل البيانات، وهندسة الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وإدارة الأنظمة الذكية.
في المقابل، يفرض الذكاء الاصطناعي إعادة تعريف مفهوم العمل نفسه، فبدلاً من استبدال الإنسان، يُستخدم في كثيرٍ من القطاعات كأداةٍ مساعدةٍ ترفع الإنتاجية وتخفّف الأعباء. فعلى سبيل المثال، فإنّ الطبيب لا يُستبدل بالذكاء الاصطناعي، بل يستخدمه لتشخيصٍ أدق. الصحافي لا يُلغى، بل يستعين بالأدوات الذكية لتحليل المعلومات، والموظف لا يُستغنى عنه، بل يُعاد توجيه دوره نحو مهام تتطلّب الإبداع والتواصل.
غير أنّ هذا التحوّل يطرح أسئلةً اجتماعيةً عميقة، ومنها: من يحمي العمّال الذين ستتضرّر وظائفهم؟ ومن يضمن عدالة توزيع مكاسب الذكاء الاصطناعي؟ فخطر المرحلة المقبلة لا يكمن فقط في البطالة، بل في تعميق اللامساواة، حيث تستفيد فئاتٌ محدودةٌ من التكنولوجيا فيما تُهمَّش فئاتٌ أوسع. من هنا، تصبح السياسات العامة، من تشريعات العمل إلى أنظمة الحماية الاجتماعية، عاملاً حاسماً في تحويل الذكاء الاصطناعي من تهديدٍ إلى فرصة.
وإزاء ما تقدّم، فإنّ الذكاء الاصطناعي لن يسرق وظائف البشر بالمعنى المباشر، لكنّه سيغيّر شكلها ومضمونها، وهذا يعني أنّ من يتجاهل التحوّل سيدفع الثمن، ومن يستعدّ له بالعلم والتدريب والتشريعات الذكية قد يحوّله إلى رافعةٍ اقتصاديةٍ واجتماعية. فالمسألة لم تعد إن كان الذكاء الاصطناعي سيؤثّر على العمل، بل كيف سنختار نحن أن نواكب هذا التأثير، ومن سيدفع كلفة التأخّر عن التطوّر.

