
لا تحتاج الدولة إلى معجزات كي تستعيد هيبتها، بل إلى قرار. قرار واضح وحازم، غير قابل للتأويل، يترجم فوراً على الأرض. هذا تماماً ما عكسته الصورة الأمنية عشية الأعياد، حيث بدت البلاد، ولو لوقت قصير، كأنها تتنفس انتظاماً افتقدته طويلاً. لم تُسجّل حوادث تُذكر، غابت الفوضى، تراجع إطلاق النار العشوائي الذي لطالما رافق المناسبات، حتى حوادث السير بدت كأنها في إجازة قسرية. مشهد لم يكن اعتيادياً، لكنه لم يكن مستحيلاً أيضاً.
ما جرى لم يكن وليد صدفة ولا نتاج حظ عابر، بل نتيجة مباشرة لإجراءات اتخذتها الحكومة من خلال الأجهزة الأمنية بإيقاع سريع ومنسق، ترافقت مع خطاب واضح من رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون خلال جولاته على مقرات الأجهزة الأمنية. خطاب لم يكن إنشائياً، بل حمل رسالة مباشرة مفادها أن الأمن ليس خياراً ظرفياً، بل واجب الدولة الأول، ولا تساهل في فرضه.
للمرة الأولى منذ سنوات، شعر المواطن اللبناني وكل مقيم في لبنان أن هناك سلطة واحدة تمسك بالقرار، وأن التعليمات لا تبقى حبراً على ورق. الانتشار الأمني كان كثيفاً لكنه غير استفزازي، منظماً لا استعراضياً، قائماً على الوقاية أكثر من الرد. الرسالة وصلت سريعاً إلى الشارع: الدولة حاضرة، والعين الساهرة موجودة، ومن يراهن على الفوضى سيخسر.
الأهم من النتائج الميدانية هو الدلالة السياسية لما حصل. لقد أثبتت التجربة أن مشكلة لبنان لم تكن يوماً في نقص القوانين أو ضعف المؤسسات، بل في غياب الإرادة السياسية لتطبيق ما هو قائم أصلاً، فحين قررت الدولة أن تمنع إطلاق النار، مُنع. وحين قررت ضبط الطرقات، انضبطت، وحين أرادت حماية الناس، حُموا. هذا الواقع ينسف الذريعة التقليدية القائلة إن “الوضع اللبناني معقّد” إلى حد يستحيل معه فرض النظام.
كلام رئيس الجمهورية في جولاته الأمنية لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً، بل كان بمثابة إعلان شراكة مباشرة بين الرئاسة والمؤسسات العسكرية والأمنية، وإعادة تثبيت لمعادلة طالما اهتزت: لا استقرار من دون مؤسسات، ولا مؤسسات من دون غطاء سياسي كامل. هذا الغطاء هو ما منح العناصر الأمنية ثقة إضافية، وحررهم من الحسابات الضيقة، وسمح لهم بالقيام بواجبهم بلا تردد.
اللافت أيضاً أن الشارع اللبناني، على اختلافه، تفاعل إيجابياً مع هذا المناخ. لم تُسجّل اعتراضات، ولم تُرفع شعارات شعبوية ضد التشدد الأمني، على العكس، ساد شعور عام بالارتياح، وكأن الناس كانت تنتظر من يطمئنها بأن الدولة ما زالت قادرة، إن أرادت، على حمايتها. هذا التفاعل يكشف حقيقة غالباً ما تُغفل: اللبناني لا يرفض النظام، بل يرفض الانتقائية في تطبيقه.

