
مع كل شتاء، تعود طرابلس إلى واجهة الخطر الصامت، أمطار غزيرة، رياح عاتية، وتصدعات قديمة تتوسع لتتحول فجأة إلى انهيارات تهدد الأرواح وتشرّد العائلات. أبنية تراثية وأخرى شعبية، شُيّدت قبل عقود طويلة، لم تعد تحتمل ثقل الإهمال ولا قسوة الفصول، فتنهار حجراً فوق حجر، تاركة خلفها مأساة اجتماعية تتكرر بلا حلول جذرية.
ليست المشكلة طارئة ولا مفاجئة. المدينة تعجّ بأبنية مصنّفة آيلة للسقوط، وبعضها يحمل إنذارات واضحة: تشققات عميقة، تسرب مياه، أسقف متآكلة، وأساسات ضعفت بفعل الزمن والرطوبة. ومع ذلك، يبقى التعاطي الرسمي في إطار ردّ الفعل لا الفعل الوقائي. تتحرك الجهات المعنية بعد وقوع الانهيار، لا قبله، فتُخلى الأبنية المتضررة على عجل، ويُترك السكان لمصير التشرد أو اللجوء إلى أقارب وأصدقاء، فيما تغيب خطط الإيواء المستدامة.
الشتاء في طرابلس ليس مجرد فصل، إنه امتحان سنوي لقدرة الدولة على حماية مواطنيها. ومع كل حادثة، يتصاعد غضب الأهالي الذين يرون أن الكارثة قابلة للتجنب لو وُضعت برامج ترميم جادة، أو لو فُعّلت قرارات الإخلاء المسبق للأبنية الأكثر خطورة، أو حتى لو توفرت بدائل سكنية تحفظ كرامة المتضررين.
لكن التعقيدات الإدارية، وضعف التمويل، وتداخل الصلاحيات، كلها عوامل تؤجل الحل وتُراكم الخسائر.
تتجاوز الأزمة بعدها الهندسي لتلامس جوهر العدالة الاجتماعية. فغالبية المتضررين ينتمون إلى شرائح فقيرة لا تملك خيار الترميم ولا قدرة الانتقال إلى سكن آمن، وهكذا يتحول الخطر العمراني إلى أداة قاسية لإعادة إنتاج الفقر، حيث يدفع الأضعف ثمن الإهمال المزمن.
أما الأبنية التراثية، فتضيع بين الإهمال والخوف من الترميم المكلف، فتخسر المدينة جزءاً من هويتها مع كل سقوط.
إن ما تحتاجه طرابلس اليوم ليس بيانات تعاطف ولا حلولاً إسعافية، بل خطة شاملة، مسح دقيق للأبنية المهددة، جدول زمني للترميم أو الإخلاء، آليات تمويل شفافة، وشراكة حقيقية بين الدولة والبلديات. فالانهيارات ليست قدراً، والشتاء ليس عدواً، إنما الإهمال هو الخطر الأكبر. وبين مطرٍ يتساقط وسقفٍ يتهالك، تبقى الأرواح معلّقة بقرار لم يُتخذ بعد.

