كشف باحثون من جامعة “إيست أنجليا” في بريطانيا عن تطور علمي جديد قد يُحدث نقلة نوعية في تشخيص ومتابعة مرضى فشل القلب، إذ أظهرت دراسة حديثة إمكانية استخدام فحص الرنين المغناطيسي القلبي الروتيني لتحديد مدى خطورة الحالة، دون الحاجة إلى إجراء قسطرة قلبية تدخلية.
ويعاني مرضى فشل القلب عادة من الحاجة إلى اختبار يُعرف باسم “قسطرة القلب الأيمن”، إذ يتم إدخال أنبوب إلى القلب لقياس مستويات الأكسجين في الدم، وهو مؤشر أساسي على شدة المرض. غير أن هذا الإجراء غير مريح وينطوي على مخاطر، خصوصاً لكبار السن والمرضى الضعفاء أو المصابين بأمراض متعددة.
ويُعد فهم المآل المرضي في حالات فشل القلب أمراً جوهرياً لتوجيه قرارات العلاج، وتحديد الحاجة إلى الإحالة للعلاجات المتقدمة، وتمكين المرضى من استيعاب طبيعة حالتهم وتوقعاتها.
وفي الممارسة السريرية اليومية، أصبح تقييم وظيفة القلب عبر تخطيط صدى القلب هو المرجع الأساسي، إذ يُستخدم الكسر القذفي للبطين الأيسر كمؤشر رئيسي لتصنيف شدة فشل القلب، وتحديد أهلية المرضى للعلاج الدوائي أو التدخلات بالأجهزة، وتقييم الاستجابة العلاجية.
إلا أن الاعتماد على الكسر القذفي وحده يواجه حدوداً واضحة، إذ يفقد دقته مع توسع البطين الأيسر وتراجع القدرة الانقباضية، كما يمكن أن يظل طبيعياً نسبياً في بعض اعتلالات عضلة القلب التقييدية، ولا يعكس بشكل ثابت خطر الوفاة أو التدهور عبر مختلف أنماط فشل القلب.
وفي المراحل المتقدمة من فشل القلب، تُستخدم اختبارات فيزيولوجية أكثر تعقيداً مثل اختبار الجهد القلبي الرئوي وقسطرة القلب الأيمن، لتقييم كفاءة الدورة الدموية وتحديد مدى ملاءمة المريض للعلاجات المتقدمة.
ومن أهم القياسات التي توفرها قسطرة القلب الأيمن نسبة تشبع الأكسجين الوريدي المختلط، وهي مؤشر مباشر على مقدار الأكسجين الذي تستهلكه الأنسجة مقارنة بما يضخه القلب.
وفي حالات انخفاض النتاج القلبي (كمية الدم التي يضخها القلب خلال دقيقة واحدة)، تنخفض هذه النسبة نتيجة زيادة استخلاص الأكسجين من الدم، ما يجعلها مرآة دقيقة لكفاءة القلب وقدرته على تلبية احتياجات الجسم.
وتحمل هذه القيمة أهمية تنبؤية عالية، إذ تستخدم لمتابعة الاستجابة للعلاج والمساعدة في اتخاذ القرارات الحرجة لدى مرضى فشل القلب المتقدم والصدمة القلبية. غير أن قياسها يتطلب إجراءً تدخلياً غير مريح، ينطوي على مخاطر ومضاعفات محتملة، ما يحد من إمكانية تكراره أو استخدامه على نطاق واسع، خصوصاً لدى المرضى الضعفاء. ومن هنا برزت الحاجة السريرية إلى وسيلة تصويرية غير تدخلية قادرة على تقدير هذا المؤشر الحيوي بدقة مقبولة.
وازداد الاعتماد على التصوير بالرنين المغناطيسي القلبي كأداة متكاملة لتقييم بنية القلب ووظيفته والديناميكا الدموية، إضافة إلى توصيف أنسجة عضلة القلب.
كيف يعمل الرنين المغناطيسي؟
يستخدم مغناطيساً قوياً جداً وموجات راديوية لتصوير الجسم بدون أشعة ضارة.
يعتمد على نوى ذرات الهيدروجين الموجودة بكثرة في الماء والدهون داخل الجسم.
المجال المغناطيسي القوي يجعل نوى الهيدروجين تستقر في اتجاه محدد.
يتم إرسال نبضات راديوية قصيرة تزعج محاذاة النوى، وعندما تعود النوى إلى وضعها الطبيعي، تصدر إشارات راديوية.
الجهاز يلتقط هذه الإشارات ويحولها إلى صور مفصلة للأعضاء والأنسجة عبر الكمبيوتر.
الرنين المغناطيسي مفيد لتصوير الأنسجة الرخوة مثل الدماغ، والعضلات، والمفاصل، والأعضاء الداخلية.
يمكن استخدامه لتشخيص الأورام، والالتهابات، وإصابات العمود الفقري، أمراض المخ، وفشل القلب.
آمن نسبياً لأنه لا يستخدم إشعاعاً، لكنه غير مناسب للأشخاص الذين لديهم أجهزة معدنية معينة داخل الجسم.
بعض المرضى يحتاجون إلى مهدئ إذا كانوا خائفين من الأماكن الضيقة، لأن التصوير يتم داخل أنبوب طويل.
وبالتعاون مع باحثين من جامعتي ليدز ونيوكاسل، طور الفريق البحثي طريقة لتقدير هذا القياس الحيوي لمستوى الأكسجين باستخدام فحص رنين مغناطيسي قياسي للقلب، ما قد يجنب آلاف المرضى الخضوع لهذا الإجراء عالي المخاطر مستقبلاً.
وقال المؤلف الرئيسي للدراسة بانكاج جارج من كلية “نورويتش” الطبية بجامعة “إيست أنجليا” واستشاري أمراض القلب في مستشفى “نورفوك ونورويتش” الجامعي، إن هذا الإنجاز قد يكون “عامل تغيير حاسم” في تقييم حالات فشل القلب المتقدم.
وأضاف: “هدفنا كان تطوير بديل آمن وغير تدخلي، يسمح بتقييم عدد أكبر من المرضى ومتابعتهم بشكل متكرر، دون المخاطر المرتبطة بالقسطرة القلبية.”
الوذمة القلبية
واعتمدت الطريقة الجديدة على تقنية تعرف باسم T2 mapping ضمن فحوصات الرنين المغناطيسي، لقياس كمية الأكسجين المتبقية في الدم العائد إلى القلب، وهو مؤشر أساسي على قدرة القلب على التكيف مع المرض.
وتستخدم تقنية T2 mapping تقليدياً للكشف عن الوذمة القلبية، لكنها في الوقت ذاته حساسة لمستويات الأكسجين في الدم. ويعود ذلك إلى أن الهيموجلوبين غير المؤكسج يمتلك خصائص مغناطيسية تؤدي إلى تقصير زمن الاسترخاء المعروف باسم T2، بينما يؤدي الهيموجلوبين المؤكسج إلى إطالته.
وهذا المبدأ الفيزيائي معروف منذ عقود ويشكل الأساس لتقنيات تصوير تعتمد على مستوى أكسجة الدم، استخدمت على نطاق واسع في تصوير الدماغ الوظيفي، وبدأت تجد تطبيقات متزايدة في القلب وأعضاء أخرى.
ويقصد بـ T2 زمن الاسترخاء العرضي Transverse Relaxation Time وهو المدة التي تستغرقها الإشارة المغناطيسية للأنسجة لتضعف بعد تعريضها لمجال مغناطيسي ونبضة راديوية داخل جهاز الرنين.
وأوضح المؤلف الرئيسي للدراسة بانكاج جارج، أن الدم بمستويات أكسجين مختلفة يتفاعل بشكل متباين مع المجال المغناطيسي، وعن طريق قياس زمن الاسترخاء وتفاعل الدم تمكن الفريق من تطوير معادلة تتنبأ بمستوى الأكسجين دون إدخال أنبوب أو أخذ عينات دم.
واختبر الفريق التقنية مبدئياً على 30 مريضاً، وأظهرت النتائج تطابقاً كبيراً مع قراءات القسطرة التقليدية، ثم وسعوا الدراسة لتشمل 628 مريضاً شخصوا حديثاً بفشل القلب، وتمت متابعتهم لنحو 3 سنوات. وأظهرت النتائج أن المرضى الذين سجلوا مستويات أكسجين أفضل عبر الرنين المغناطيسي كانوا أقل عرضة للوفاة أو دخول المستشفى بسبب حالتهم.
والمثير للاهتمام أن دقة هذا القياس غير التدخلي ظلت قائمة حتى بعد الأخذ في الاعتبار عوامل مثل العمر، والأمراض المصاحبة، ووظائف القلب العامة.
قدرات تنبؤية
من جانبه، قال المؤلف المشارك في الدراسة بيتر سووبودا الباحث في جامعة ليدز البريطانية، إن هذه التقنية يمكن أن تحول فحص الرنين المغناطيسي الروتيني إلى أداة تشخيصية أكثر قوة، من خلال توفير معلومات ديناميكية دقيقة عن الدورة الدموية دون أي تدخل جراحي “فالطريقة لا تتطلب أجهزة إضافية أو صبغات تباين، ولا تضيف سوى ثوانٍ قليلة إلى زمن الفحص”.
وعند تطبيق هذا القياس على مجموعة كبيرة من مرضى فشل القلب ومتابعتهم لعدة سنوات، تبين أن القيم المنخفضة منه ارتبطت بزيادة خطر الوفاة أو الدخول إلى المستشفى بسبب تدهور الحالة، حتى بعد تصحيح النتائج لعوامل معروفة مثل العمر والكسر القذفي ومؤشرات الفشل القلبي التقليدية.
والأهم أن هذا المؤشر تفوق في قدرته التنبؤية على بعض المقاييس الشائعة، ما يشير إلى أنه قد يوفر معلومات فسيولوجية عميقة لم تكن متاحة سابقاً إلا عبر إجراءات تدخلية.
وتشير هذه النتائج إلى أن التصوير بالرنين المغناطيسي القلبي قد يتجاوز دوره التشخيصي التقليدي ليصبح أداة تنبؤية متقدمة في فشل القلب، قادرة على تقديم تقييم أدق للمخاطر دون تعريض المرضى لإجراءات غازية.
وإذا ما تم تأكيد هذه النتائج في دراسات أوسع ومتنوعة، فقد يساهم هذا النهج في تحسين اتخاذ القرار العلاجي، وتوسيع نطاق المتابعة الآمنة، وتعزيز الرعاية الموجهة لمرضى فشل القلب في مختلف مراحله.
وأكد الباحثون أن هناك حاجة إلى دراسات إضافية للتحقق من النتائج في مستشفيات ومجموعات مرضى مختلفة، وتحديد أفضل السبل لاستخدام هذا المؤشر في اتخاذ القرارات العلاجية اليومية.

