حسين زلغوط
خاص- “رأي سياسي”:

من المقرر أن تحط طائرة الموفد الفرنسي جان-إيف لودريان في مطار بيروت، الأربعاء المقبل في زيارة تأتي في لحظة لبنانية وإقليمية شديدة الحساسية، حيث تتقاطع الملفات الأمنية جنوباً مع شرخ سياسي داخلي، وكذلك مع ازدياد الأسئلة حول مصير لجنة “الميكانيزم” ودور الدول المنخرطة فيها.
انها بلا شك زيارة تحمل أكثر من دلالة، ليس فقط لجهة مضمون اللقاءات التي ستحصل مع المسؤولين اللبنانيين، بل أيضاً لجهة التوقيت وما يُحكى في الكواليس عن محاولات لإعادة رسم خريطة الأدوار الدولية في لبنان، وعلى رأسها الدور الفرنسي.
منذ اندلاع الحرب الأخيرة بين لبنان واسرائيل، حرصت باريس على تثبيت موقعها كوسيط أساسي في إدارة التوازنات الدقيقة بين الجانبين، مستندة إلى حضور تاريخي وعلاقات سياسية وعسكرية عميقة، خصوصاً عبر مشاركتها الوازنة في قوات الطوارئ الدولية العاملة في الجنوب ودعمها المستمر للمؤسسة العسكرية اللبنانية. غير أن التطورات الأخيرة وضعت هذا الدور أمام اختبار فعلي، مع بروز آلية “الميكانيزم” كإطار أساسي لمعالجة الخروقات وتثبيت التهدئة، وسط نقاش متصاعد حول من يمسك فعلياً بمفاتيح هذا المسار.
سيصل الموفد الفرنسي الى لبنانت حاملاً أجندة متعددة العناوين. في الشكل، سيجري لقاءات مع كبار المسؤولين اللبنانيين للاستماع إلى مقاربتهم للمرحلة المقبلة، أمنياً وسياسياً. أما في الجوهر، فالزيارة تهدف إلى إعادة التأكيد على التزام باريس بالملف اللبناني، ومحاولة منع انزلاقه إلى مسار يُدار حصرياً من قبل واشنطن وتل أبيب، بما يقلّص هامش الوساطة ويحوّل لبنان إلى ساحة تنفيذ لا شريك تفاوض.
الدور الفرنسي، وفق الرؤية الباريسية، لا يقتصر على الوساطة التقنية أو الدبلوماسية، بل يتجاوزها إلى مقاربة شاملة تربط الأمن بالإصلاح السياسي والاقتصادي. باريس ترى أن أي تهدئة جنوباً ستبقى هشة ما لم تترافق مع تعزيز قدرات الدولة اللبنانية، وعلى رأسها الجيش، وإطلاق مسار إصلاحي يعيد بناء الثقة الداخلية والخارجية. من هنا، لا يمكن فصل زيارة لودريان عن الجهود الفرنسية لعقد مؤتمر دولي لدعم الجيش اللبناني، في محاولة لملء الفراغ.
في المقابل، يتردد في الأوساط السياسية حديث متزايد عن رغبة أميركية – إسرائيلية في تحجيم الدور الفرنسي داخل “الميكانيزم”، أو على الأقل دفعه إلى الخلف، لصالح إدارة أكثر تشدداً تركز على المقاربة الأمنية البحتة. هذه القراءة، وإن لم تُعلن رسمياً، تجد ما يغذيها في طريقة إدارة بعض الملفات، حيث يُلاحظ تراجع الحضور السياسي الفرنسي المباشر، مقابل بروز دور تقني أو لوجستي محدود.
غير أن باريس لا تبدو في وارد التسليم بسهولة. فرنسا تدرك أن إخراجها من المعادلة اللبنانية لا يطال فقط نفوذها التقليدي، بل ينعكس أيضاً على موقعها الأوسع في شرق المتوسط. لذلك، تحاول من خلال لودريان إعادة تثبيت قواعد الاشتباك الدبلوماسي، والتأكيد أن أي آلية مستدامة تحتاج إلى توازن دولي، لا إلى رعاية أحادية قد تزيد التعقيد بدل أن تحلّه.
الرهان الفرنسي يقوم على أن لبنان، بحساسيته وتركيبته، لا يحتمل حلولاً مفروضة من الخارج ولا مسارات أمنية معزولة عن السياسة. ومن هنا، تسعى باريس إلى تقديم نفسها كجسر بين الضغوط الأميركية والمخاوف اللبنانية، وبين الهواجس الإسرائيلية ومتطلبات الاستقرار طويل الأمد.
من هنا فإن زيارة لودريان ليست زيارة بروتوكولية، بل محاولة لإعادة التموضع في لحظة مفصلية. فرنسا تدرك أن دورها مهدد، لكنها في الوقت نفسه تملك أوراقاً لا يمكن تجاوزها بسهولة، من الجيش إلى “اليونيفيل” إلى شبكة علاقاتها الدولية. أما السؤال المفتوح، فهو ما إذا كانت هذه الزيارة ستنجح في تثبيت الدور الفرنسي كشريك كامل في إدارة الأزمة، أم أنها ستكشف حدود القدرة على الصمود في وجه متغيرات إقليمية ودولية لا ترحم؟.

