لم ينته الضجيج الذي خلفته تسريبات عن مسؤول في مكتب رئاسة الوزراء في اليابان عن “ضرورة امتلاك اليابان سلاحاً نووياً”، والذي يوحي بأن طوكيو تفكّر بالانقلاب على سياسة ترسّخت لديها منذ 60 عاماً.
اليابان، وهي الدولة الوحيدة التي تعرضت لقصف بأسلحة نووية خلال الهجوم الأميركي على هيروشيما وناجازاكي، تبنّت بعد الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، سياسة معادية للسلاح النووي، كما اعتمدت قانون “المبادئ الثلاثة” بشأن هذه الأسلحة الفتاكة، والذي ينص على أن طوكيو “لا تصنع، ولا تمتلك، ولا تسمح بإدخال أي سلاح نووي إلى أراضيها”.
وسعت اليابان في السنوات الأخيرة، إلى تعزيز قوتها العسكرية لمواجهة التحديات التي تواجهها في المنطقة، خصوصاً ما يتعلق بالصين وكوريا الشمالية وروسيا، فيما رجّح خبراء يابانيون في حديثهم لـ”الشرق”، أن تتجه البلاد إلى التخلي عن “اللاءات” الثلاثة، عبر اتفاق مع الولايات المتحدة.
وعلى عكس الجيوش العالمية الكبرى الأخرى، تعتمد اليابان التي تفتقر إلى قوة ردع نووي، على الولايات المتحدة المسلحة نووياً، لكن دعوات استضافة أسلحة نووية أميركية، تتصاعد، رغم التوجس من هذه الخطوة.
وما يؤكد استمرار هذه النقاشات في أروقة الحكم وصناعة القرار في اليابان، إعلان رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي، في خطاب بداية العام الجديد، عزم حكومتها مراجعة وثائق استراتيجية الأمن القومي، التي قد تتضمن “مبادئ السياسة النووية”، بحلول صيف العام الجاري وإقرارها في نهاية 2026.
وتمنع هذه المبادئ اليابان من امتلاك الأسلحة النووية أو إنتاجها أو السماح بدخولها إلى أراضيها.
ويُعتبر هذا الموعد تقديماً للموعد الذي كان مقرراً في عام 2032، والذي أقرته حكومة فوميو كيشيدا وفق استراتيجيتها في عام 2022، بحيث تقوم بمراجعة هذه العقيدة بعد عشر سنوات.
كيف بدأت القضية؟
ويأتي إعلان تاكايتشي، بعد تسريبات في 18 ديسمبر الماضي، أعرب فيها مسؤول ياباني رفيع من فريق الأمن القومي في مكتب رئيسة الوزراء، عن “رأيه الشخصي”، بضرورة امتلاك اليابان سلاحاً نووياً.
وعلى الرغم من أن المسؤول، الذي لم يُكشف عن اسمه، أقر بصعوبة تحقيق الأمر عملياً، إلا أن تصريحاته أثارت ضجة إعلامية وسياسية كبيرة داخل وخارج اليابان.
وجاء ذلك في وقت حساس تشهد فيه منطقة شرق آسيا توترات أمنية كبيرة، آخرها الخلاف المتصاعد بين طوكيو وبكين حول تصريحات تاكايتشي بشأن التدخل العسكري في الصراع المحتمل حول تايوان، بالإضافة إلى إعلان الحكومة اليابانية عزمها مراجعة استراتيجية الأمن القومي التي تشمل السياسة المتعلقة بالأسلحة النووية.
فهل يعكس تصريح المسؤول توجهاً فعلياً للحكومة اليابانية الحالية أم أنه أُعطي أكثر من حجمه؟
بالون اختبار؟
تسريب مواقف رسمية عبر وسائل الإعلام، أسلوب تلجأ إليه العديد من الدول لإيصال رسائل للخارج وإطلاق بالونات اختبار، لكن كازو كوداما، المتحدث السابق باسم وزارة الخارجية اليابانية، قال لـ”الشرق”، إن الدبلوماسية اليابانية “لا تستخدم هذا الأسلوب”.
وأوضح أن تصريحات المسؤول الياباني، جاءت خلال حديث “ليس للنشر” مع مجموعة من الصحافيين، معتبراً أن أحدهم نقل الحديث “بشكل غير مهني”.
وحمّل كوداما مسؤولية “سوء الفهم”، للصحافي الذي نقل التسريبات، نافياً أن تكون هناك “أي خلفية تتعلق بمواقف الحكومة اليابانية”، واستبعد أيضاً أن يكون الأمر “بالون اختبار لجس نبض الشارع الياباني أو إثارة قلق الجانب الصيني بشأن السلاح النووي، بل مجرد حديث يعبر عن آراء شخصية”.
أما ما يتعلق بتزامن التسريبات مع إعلان الحكومة مراجعة المبادئ النووية، قال كوداما، إن “اليابان بلد ديمقراطي وليست نظاماً ديكتاتورياً، ولذلك فإن مناقشة السياسات ومراجعتها أمر اعتيادي في مثل هذه البيئة السياسية، ولا يجب أن يخرج الأمر عن هذا السياق”.
في المقابل، يرى المحلل السياسي أكيرا إيجاتا، المحاضر في معهد الدراسات بجامعة طوكيو، أنه بغض النظر عما إذا كان تصريح المسؤول مقصوداً أم لا، فإن التساؤل بحد ذاته بشأن ضرورة امتلاك اليابان سلاحاً نووياً “يراود الكثيرين وهو أمر منطقي ومشروع”، ويٌعلل ذلك بأن بلاده “تواجه وضعاً جديداً يتعلق بأمنها القومي، ويفرض عليها أن تدرس جميع الخيارات المتاحة”.
أولويات واشنطن
واعتبر إيجاتا أن اليابان منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، اعتمدت بشكل أساسي على الحماية الأميركية لها، لافتاً إلى أن البيئة الأمنية لبلاده “مختلفة تماماً الآن”، مشيراً في تصريحات لـ”الشرق”، إلى ما يشهده العالم حالياً من “استخدام القوة العسكرية لتغيير الأوضاع الدولية بشكل أحادي”، من دون أن تتمكن دول العالم من فعل شيء.
ورأى أن ذلك يجعل اليابان “تشعر بأنها بحاجة لبناء قوتها العسكرية حتى لا تتعرض لسيناريو مشابه لأوكرانيا ضمن أي ظرف”، معتبراً أن “لسياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب تأثير كبير على تغير موقف اليابان”، في ظل “انكفاء دور الولايات المتحدة عن الساحة الدولية، وسط تركيزها على محيطها الإقليمي”، في إشارة إلى فنزويلا.
واعتبر أن هذه العوامل غيرت “رؤية الشعب والحكومة اليابانية على حد سواء بشأن أولويات الاستراتيجية الدفاعية، وهو ما يدفع الحكومة لبناء شراكات دفاعية وأمنية مع عدد من الأطراف الجديدة، من بينها دول حلف (شمال الأطلسي) الناتو وأستراليا والهند ونيوزيلندا مؤخراً”.
ولعل تغيّر هذه الأولويات الاستراتيجية، في ظل التوترات الحاصلة في المنطقة، لا سيما مع الصين، كان وراء إقرار اليابان ميزانية دفاعية قياسية بنحو 86 مليار دولار.
مناقشات يابانية سابقة
ونبّه إيجاتا إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي يطرح فيها موضوع امتلاك اليابان لسلاح نووي “ففي عهد رئيس الوزراء السابق إيساكو ساتو في ستينيات القرن الماضي، أجرت الحكومة دراسة سرية حول الأمر، وتوصلت إلى أنه ستكون هناك تكلفة مالية هائلة، بالإضافة إلى أن ذلك سيحدث ضرراً دبلوماسياً كبيراً، ومعارضة شعبية، ولذلك تم استبعاده بشكل كامل، وتم الكشف عن هذه الدراسة بعد رفع السرية عنها بعد نحو 50 عاماً”.
وحالياً، لا يعتقد إيجاتا أن اليابان “مستعدة لخوض مثل هذه المغامرة، خاصة أنها من الدول الموقعة على معاهدة منع الانتشار النووي، وسيضر خروجها من المعاهدة كثيراً موقفها، خاصة أنها الدولة الوحيدة التي تعرضت بالفعل لقصف نووي أدى إلى سقوط مئات الآلاف من الضحايا، ولهذه القضية حساسية كبيرة وتعتبر من المحظورات”.
اللاءات النووية
لطالما تمسكت اليابان بما تعرف بمبادئ اللاءات النووية الثلاث وهي: “لا لامتلاك ولا لإنتاج ولا لتواجد الأسلحة النووية” على أراضيها، والتي أعلنها رئيس الوزراء السابق إيساكو ساتو في عام 1967، واعتمدها البرلمان الياباني رسمياً في عام 1971.
ويرى المحلل السياسي إيجاتا، أنه بينما لا تفكر اليابان في امتلاك سلاح نووي أو إنتاجه، فإنها ترغب بتعديل الـ”لا الثالثة” فقط، وهي لا لوجود سلاح نووي على أرض اليابان.
وأوضح في تصريحات لـ”الشرق”، أن اليابان “لن تشتري ولن تنتج سلاحاً نووياً، ولكن لتعزيز تحالفها العسكري مع الولايات المتحدة والحصول على حماية المظلة النووية الأميركية، فإنها تحتاج للتخلص من لا تواجد السلاح النووي، لأنها عملياً قد تعيق وجود سلاح نووي جاهز لتدافع به الولايات المتحدة عن اليابان”.
وأضاف إيجاتا أن المناورات السنوية المشتركة التي تجريها اليابان مع الولايات المتحدة، ستكون أكثر فاعلية بدون “لا” النووية، مشيراً إلى دأب الولايات المتحدة على استخدام قاذفات B-52 في التدريبات الجوية مع اليابان، وهي قاذفات تمتلك قدرة القصف بسلاح نووي، في إشارة إلى تواجد المظلة النووية الأميركية، والآن هناك شعور بضرورة وجود هذه القوة فعلياً وليس بشكل رمزي.
قلق وتنديد صيني
في سياق ردود الفعل على الجدل السياسي الداخلي بشأن امتلاك اليابان سلاحاً نووياً، قال وزير الدفاع الياباني السابق، إيتسونوري أونوديرا، إن اليابان ملتزمة بمبادئها النووية، ولكنها بحاجة لمناقشة مستقبل تلك المبادئ، مشيراً إلى أن الاعتماد على حماية المظلة النووية الأميركية يعني ضمنياً قبول اليابان باستخدام الولايات المتحدة للسلاح النووي، ولذلك فإن “استبعاد النقاش بشأن القضايا النووية أمر غير مسؤول”.
وردت الصين بحدة على التصريحات اليابانية، وحث لين جيان، المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، طوكيو بشدة، على “الالتزام بالقانون الدولي ودستورها، ووقف أعمالها الاستفزازية بشأن قضية امتلاك الأسلحة النووية”.
وقال كيويوكي سيجوتشي، كبير الباحثين في الشأن الصيني بمعهد كانون الياباني للدراسات الدولية، إن هناك أصداءً سلبية واسعة داخل الإعلام الصيني بشأن التصريحات اليابانية.
وأضاف سيجوتشي، في تصريحاته لـ”الشرق”، أنه “تم استخدام تصريحات المسؤولين اليابانيين على أنها تشير إلى أن اليابان تسير نحو العسكرة واستعادة ماضيها الاستعماري، ويبدو أن هذا الموقف يتم توضيحه بشكل خاص من فريق المستشارين والمسؤولين المحيطين بالرئيس (الصيني) شي جين بينج ومعظمهم من المحافظين”.
ودعا إلى وجوب تفهم أن “لدى الصين معلومات دقيقة عن اليابان، وتدرك تماماً أن اليابان لا يمكن أن تمتلك سلاحاً نووياً بسبب الرفض الشعبي المحلي بشكل أساسي، كون البلاد عانت من ويلات السلاح النووي في هيروشيما وناجازاكي، ولذلك، لا يوجد قلق حقيقي بشأن هذا الأمر، وإنما هو مجرد وسيلة لاستخدامه للضغط على اليابان للتراجع عن مواقفها، وإضعاف صورتها الدولية، خاصة ما يتعلق بموقفها من تايوان”.
إرث هيروشيما وناجازاكي الثقيل
منذ 80 عاماً تحيي مدينتا هيروشيما وناجازاكي ذكرى إسقاط القنبلتين النوييتين في السادس من أغسطس عام 1945 في هيروشيما، وفي التاسع من الشهر نفسه في ناجازاكي.
وتستذكر المدينتان هذين اليومين بمراسم وطقوس سلام على أرواح أكثر من 200 ألف ضحية، ويستمع الناس الى قصص الناجين من القصف النووي الذي خلف تلوثاً اشعاعياً بقيت آثاره لسنوات، وخراباً واسعاً.
تلك التجربة المريرة شكّلت حالة الرفض الشديد في اليابان لامتلاك السلاح النووي، وكانت ركيزة لصورتها الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، بوصفها دولة سلام لا نووية، تشجب الحرب، رغم اعتمادها على المظلة النووية الأميركية لضمان أمنها.
جيرو هاماسومي، الأمين العام لجمعية هيدانكيو اليابانية ضد الأسلحة النووية، والتي فازت بجائزة نوبل للسلام العام الماضي، قال إن هناك غضباً كبيراً بشأن تصريحات المسؤول في مكتب رئيسة الوزراء اليابانية، بشأن ضرورة امتلاك سلاح نووي.
واعتبر هاماسومي، في تصريحاته لـ”الشرق”، أن “تلك التصريحات تتجاهل وجود الناجين من القنبلة الذرية، وتبرر الحرب النووية، وهي مرفوضة رفضاً قاطعاً بالنسبة لنا كجمعية للناجين من القصف الذري”.
وعلى الرغم من أن اليابان وقعت على معاهدة عدم الانتشار النووي عام 1970، فإنها ترفض التوقيع على معاهدة هامة أخرى، هي معاهدة حظر الأسلحة النووية التي تجعل امتلاك سلاح نووي أمراً محظوراً قانونياً، وقد دخلت حيز التنفيذ عام 2021.
وقال هاماسومي: “إذا كانت اليابان تصف نفسها بأنها الدولة الوحيدة التي عانت من القصف الذري في الحرب، فعليها الانضمام إلى معاهدة حظر الأسلحة النووية في أسرع وقت ممكن، وأن تتبوأ الصدارة عالمياً نحو إلغاء الأسلحة النووية”.

