
في عالم يفترض أن تحكمه القوانين الدولية وتضبط إيقاعه مواثيق العدالة، يبدو أن مبدأ القوة بات هو الحَكَم الأول والأخير في العلاقات بين الدول. فالقانون الدولي، الذي وُلد من رحم الحروب الكبرى ليمنع تكرارها، يتعرض اليوم لتآكل متسارع، فيما تتقدّم شريعة الغاب لتفرض نفسها كقاعدة غير معلنة للنظام العالمي.
من الناحية النظرية، يشكّل القانون الدولي منظومة متكاملة لضبط النزاعات، وحماية سيادة الدول، وصون حقوق الشعوب هكذا تعلمنا في المدارس والجامعات وهكذا يفترض أن يكون. غير أن الواقع يكشف فجوةً واسعة بين النص والتطبيق. فحين تتعارض المصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى مع مبادئ القانون، تُعلّق القواعد، وتُفرّغ العدالة من مضمونها، ويُستبدل منطق الحق بمنطق الفرض.
القوة هنا لا تقتصر على السلاح، بل تشمل النفوذ السياسي والاقتصادي، والقدرة على التحكم بالمؤسسات الدولية، وتوجيه الرأي العام العالمي. وهكذا، تتحول القوانين إلى أدوات انتقائية، تُستخدم ضد الضعفاء، وتُهمل أو يُعاد تفسيرها عندما تمس الأقوياء.
في هذا السياق، يصبح خرق السيادة أو استباحة الأراضي ـ كما حصل في فنزويلا ـ أو فرض العقوبات الجماعية أمراً مبرراً تحت عناوين فضفاضة، بينما يُجرَّم الضعيف حتى في دفاعه عن نفسه.
فالمحاكم والهيئات المعنية بالمحاسبة تُظهر نشاطاً ملحوظاً عندما يكون المتهم خارج دائرة النفوذ العالمي، لكنها تتباطأ أو تصمت حين تتشابك الملفات مع مصالح الدول النافذة. هذا الخلل البنيوي لا يضرب مصداقية العدالة فحسب، بل يكرّس شعوراً عالمياً بأن النظام الدولي قائم على ازدواجية المعايير، لا على مبدأ المساواة بين الدول.
نتيجة هذا الواقع، تدخل العلاقات الدولية مرحلة خطرة، حيث يُغذي الإفلات من العقاب المزيد من التوتر والعنف، فالدول التي تشعر بأن القانون لا يحميها، تلجأ بدورها إلى منطق القوة، سواء عبر التسلّح أو التحالفات أو سياسات الردع. وهكذا، تتسع دائرة الفوضى، ويتحوّل القانون الدولي من صمام أمان إلى مجرد خطاب أخلاقي بلا أسنان.
والأخطر من هذا هو أن هذا المسار ينعكس مباشرة على الشعوب، لا على الحكومات وحدها، فالحروب غير المتكافئة، والعقوبات الشاملة، والانتهاكات المستمرة، تُدفع أثمانها من دماء المدنيين ولقمة عيشهم واستقرارهم، وعندما تغيب العدالة، يتحول الظلم إلى حالة دائمة، ويصبح السلام حلماً مؤجلاً.
ومع ذلك، لا يعني هذا المشهد القاتم أن القانون الدولي فقد قيمته بالكامل، بل إن التحدي الحقيقي يكمن في استعادة التوازن بين القوة والقانون، وإعادة الاعتبار لفكرة أن الشرعية لا تُستمد من فوهة المدفع، بل من احترام القواعد المشتركة. فدون ذلك، سيبقى العالم محكوماً بمنطق الغاب، حيث لا مكان إلا للأقوى، ولا صوت يعلو فوق صوت المصالح.

