حسين زلغوط, خاص – “رأي سياسي”:

تعيش المنطقة أجواءً مشحونة بالتهديدات والتصعيد الكلامي، ووسط ذلك تعود الأسئلة القديمة–الجديدة حول خطوات إيران المحتملة في مواجهة الضغوط الأميركية والإسرائيلية، ولا سيما ما إذا كانت طهران قد تلجأ إلى عمل استباقي يسبق أي ضربة محتملة تستهدف أراضيها أو منشآتها الاستراتيجية.
تاريخياً، لم تكن إيران دولة تميل إلى المبادرة العسكرية المباشرة خارج حدودها بشكل صريح. سياستها الأمنية قامت على مبدأ “الدفاع” القائم على توسيع دوائر النفوذ وبناء شبكات حلفاء وقدرات غير تقليدية، بما يسمح لها بإدارة الصراع من مسافات بعيدة، وعلى سبيل المثال: لبنان، وسوريا، واليمن، وحتى العراق، وتفادي مواجهة مفتوحة ومباشرة مع قوى عظمى تمتلك تفوقاً عسكرياً ساحقاً. من هذا المنظور، فإن العمل الاستباقي الإيراني لا يُقاس بالضرورة بضربة عسكرية تقليدية، بل قد يتخذ أشكالاً أكثر تعقيداً ومرونة.
في المقابل، تبدو التهديدات الأميركية–الإسرائيلية أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، سواء عبر التصريحات السياسية أو عبر التحركات العسكرية، حيث يُقال إن أميركا حركت أضخم الطائرات لديها أمس باتجاه المنطقة، ما يرفع منسوب القلق في طهران ويضع صُنّاع القرار أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن الردع من دون الانزلاق إلى حرب شاملة قد تكون كلفتها وجودية على النظام والدولة معاً؟
السيناريو الأول يتمثل في أن تختار إيران الامتناع عن أي عمل استباقي مباشر، مكتفية بتعزيز جاهزيتها الدفاعية ورفع مستوى الردع غير المعلن. هذا الخيار يقوم على قناعة بأن أي ضربة استباقية صريحة ستمنح خصومها الذريعة الكاملة لتوجيه ضربات واسعة، وتحويل الصراع من مستوى الضغط والاحتواء إلى مستوى الحرب المفتوحة، ولذلك تركز طهران على تسريع برامجها الدفاعية، وتحسين قدراتها الصاروخية، وإرسال رسائل قوة محسوبة من دون تجاوز الخطوط الحمراء.
السيناريو الثاني أكثر تعقيداً، ويتمثل في عمل استباقي غير مباشر عبر ساحات أخرى. هنا، يمكن لإيران أن تستخدم أوراقها الإقليمية لرفع كلفة أي هجوم محتمل عليها، من خلال تصعيد مدروس في نقاط حساسة، أو عبر عمليات ضغط أمنية واقتصادية تؤكد أن أي استهداف لها لن يبقى محصوراً في جغرافيا واحدة، بل سيطال المصالح الأميركية أينما يمكن لصواريخها أن تطال. وهذا النمط يسمح لطهران بإنكار المسؤولية المباشرة، ويمنحها هامش مناورة سياسياً وعسكرياً.
أما السيناريو الثالث، وهو الأقل ترجيحاً، فيقوم على ضربة استباقية مباشرة تستهدف مصالح أميركية أو إسرائيلية بشكل صريح. هذا الخيار يبقى محفوفاً بالمخاطر، لأن نتائجه قد تتجاوز قدرة إيران على الاحتواء، خصوصاً في ظل اختلال موازين القوى العسكرية التقليدية في السنتين الماضيتين. ومع ذلك، لا يمكن إسقاطه بالكامل إذا ما شعرت القيادة الإيرانية بأن الضربة ضدها باتت وشيكة وحتمية، وأن المبادرة، مهما كانت مكلفة، أفضل من تلقي الضربة الأولى.
في الحسابات الإيرانية، لا يُنظر إلى التهديدات بمعزل عن السياق الدولي الأوسع. فطهران تدرك أن أي حرب شاملة قد تعيد خلط الأوراق عالمياً، وتفتح أبواباً لا يمكن السيطرة على نتائجها، وهو ما يجعل خيار الصبر الاستراتيجي، المصحوب برسائل ردع قاسية ولكن غير مباشرة، أكثر انسجاماً مع سلوكها التقليدي.
لكن، وعلى رغم كل الخطاب التصعيدي، تبدو إيران حتى الآن ميالة إلى إدارة المواجهة لا تفجيرها. العمل الاستباقي، إن حصل، سيكون محسوباً، متدرجاً، وغير مباشر، هدفه تحسين شروط الردع وليس إشعال حرب شاملة. أما القرار النهائي، فسيبقى رهناً بلحظة التقدير الأخيرة: هل التهديد مجرد ضغط سياسي–عسكري، أم أنه مقدمة لضربة لا مفر منها؟ عندها فقط، قد تتغير قواعد اللعبة.

