كتب د. حمد الجدعي في صحيفة الراي.
كثير من وسائل الإعلام العربية لم تتردد في استخدام عبارة «انتحار إسرائيل السياسي» بعد مجزرة مركز ناصر الطبي التي شاهدها العالم على الهواء مباشرة، بالصوت والصورة.
أما في الغرب، وللمرة الأولى منذ عقود، بدا الإعلام الغربي عاجزاً عن إيجاد كلمات تبرير لإسرائيل، فَعلت صرخات الغضب ضد جرائمها في أعداد أبرز وسائل الإعلام مثل «الغارديان» و«واشنطن بوست» و«بوليتيكو»، وكذلك وكالة «رويترز».
أجلس مع نفسي وأتساءل، بعد تكرار تلك المجازر، هل يمكن القول إن إسرائيل دخلت مرحلة الانتحار السياسي أم أنها مازالت متكئة على الدعم الأميركي والغربي الذي يغطيها في نهاية المطاف مهما تلطخت صورتها؟
ربما كلمة انتحار سياسي كبيرة، فدولة الاحتلال مازالت تملك درع حماية صلب اسمه الولايات المتحدة، ومع ذلك فإن صورتها الدولية اهتزت اليوم، كما لم يحدث من قبل، فالكاميرات كشفت الستار عن وجهها الحقيقي، والصور خرجت إلى العالم مدعومة بخوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي…
ومن كان يتعامى عن جرائمها من حلفائها الغربيين لم يعد قادراً على الإنكار، حتى نماذج الذكاء الاصطناعي التي طوروها، انقلبت عليهم بعد أن سئمت الكذب والنفاق وقلب الحقائق، ليبرروا انقلابها بأنه «خطأ تقني»!
ثم يراودني سؤال آخر، هل العالم فعلاً انقلب عليها؟
الحكومات الكبرى لاتزال تمسك العصا من الوسط، أميركا تحميها إسرائيل، بالفيتو، والترديد آمين لكل خطط نتنياهو وأهدافه، وأوروبا تتحدث بعبارات دبلوماسية حذرة مع بعض الاستثناءات، وبينها فرنسا، وأستراليا أخيراً، إن اعتبرناها مع حزب الغرب، حتى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ورغم عزلته السياسية من الغرب، إلا أنه غازلها بعبارات دبلوماسية عندما سُئِل عن عدم تقديم دعم حقيقي لطهران في حرب الـ12 يوماً.
لكن، يبقى الشارع العالمي شيئاً مختلفاً تماماً، من جامعات الولايات المتحدة إلى نقابات بريطانيا وحفلاتها الغنائية، ومن شوارع مدريد إلى بوينس آيرس، هناك المشهد واضح، غضب شعبي غير مسبوق، ولغة جديدة تصف إسرائيل بما كان يعتبر قبل سنوات محرماً كـ«فصل عنصري»، جرائم حرب، وإبادة جماعية.
هل يقرب هذا من الاعتراف الدولي بدولة فلسطين؟
نعم، يبدو أن أحاديث حل الدولتين لم تعد مجرد شعارات، بل تحولت إلى مطالب برلمانات وضغوط سياسية، بل إن بعض الدول الأوروبية من حلفاء إسرائيل التقليديين، صارت تعلن صراحة استعدادها لإعلان الاعتراف بفلسطين.
لكن على أرض الواقع، قذائف وصواريخ الاحتلال أقوى من القرارات الأممية.
ويبقى السؤال الأصعب، هل يستحق هذا الثمن؟
هل يمكن أن تساوي حياة آلاف الأطفال والنساء مجرد اعتراف سياسي في الأمم المتحدة وتعاطف شعبي عابر لا يغير شيئاً على ارض الواقع؟
الأكيد أن الشعب الفلسطيني لم يختر أن يُذبح لكي يكسب التعاطف والاعتراف، بل إنه يُذبح لأن دولة الاحتلال اختارت أن تمارس سياساتها الوحشية.