“أنا بقعد أحكي لك في ساعة
وبنشتغلو معاه عشر ساعات
لحمي اللي تحت الجلد لمس لحمه
انضربنا وضربنا مع بعض
اللي بيني وبينه انتي ما تفهميهوش
العرق اللي بيني وبينه بيختلط في النور
والدم يطلع بره الجلد
لكن اللي بيني وبينك إيه
العرق اللي بينا في الضلمة
والدم يتقابل جوه بطنك”
هكذا تعرف صفية الصداقة التي بين زوجها مرسي ورفيقه صلاح بعد أن مارست معه الجنس عندما عاد مضروباً، بينما مرسي ملقي في السجن!
في فيلم “الصعاليك” 1985 أول أفلام داوود عبد السيد (23 نوفمبر 1946- 27 ديسمبر 2025)، ومثل كل الأفلام الأولى للمخرجين أصحاب المشاريع والرؤى المتراكمة، تبرز علاقة الصداقة بين الصعلوكين مرسي وصلاح –والتي لا ندري كيف بدأت ولا يشغلنا السرد بذلك- لتشكل مرآة عاكسة لكل القضايا والأزمات الكبرى التي سوف يتعرضون لها خلال رحلة صعودهم المادية في زمن الانفتاح الاقتصادي بمصر، ثم تصبح نفس علاقة الصداقة تلك، مع توالي التجارب وتراكم الأفلام، نموذج متكرر بأشكال مختلفة، وتجليات براقة، تحتل صدارة المشهد الدرامي لديه، حتى لو بدت لغير المتأمل هامشية، أو بدون صلة مباشرة بالحبكة.
ولكن.. ما هي أهمية الوقوف على أشكال الصداقة في سينما داوود عبد السيد، التي دوماً ما صنفت على اعتبار أنها تمزج ما بين الشعر والفلسفة والواقعية السحرية، والنظرة الإجتماعية الحزينة لعوالم تنتهي ومدن تتلاشى وبيوت تتهدم!
لو لم يكن هذا الشكل من العلاقات بين شخصيات الأفلام مهماً بالنسبة لرؤيته، لما صاغ من خلاله حبكة أول أفلامه صداقة وطيدة بين رجلين يقتل أحدهم الآخر في النهاية بسبب تعارض المصالح، بعد أن تشاركا في كل شيء حتى رحم المرأة التي تزوجت أحدهما! ولما تكررت هذه الصياغات بأشكال مختلفة في كل فيلم، ومع تكرار النمط يصبح التوقف أمامه بالتفكيك أمر ملزم، وذو حيثية في قراءة عالم هذا المبجل إبداعياً بتسعة تجارب فقط.
لا يكاد يخلو فيلم من أفلام عبد السيد منذ”الصعاليك” وحتى “قدرات غير عادية” من هذا الشكل الوطيد والدموي – بمعناه الشعري الإيجابي- للصداقة، سواء متلزماً بالوحدة الجندرية– الصداقة بين الرجال كما في “البحث عن سيد مرزوق” و”الكيت كيت” و”أرض الخوف” و”مواطن ومخبر وحرامي” و”رسائل البحر”، أو في مزج جندري كما في “أرض الأحلام” – العلاقة بين الأم المهاجرة نرجس والساحر العجوز رؤوف ليلة رأس السنة – وهو الفيلم الوحيد الذي لم يكتبه، وإن ظل يشبه عوالمه الأثيرة.
صاحب المسألة والمشكلة
“كنت غيرانه منك
قلت له ايه الواد صلاح ده اللي طول النهار والليل معاك
قالي إوعك تمسيه حتى بينك وبين نفسك
صلاح ده سيدك
ضفره برقبتك”
تشدد صفية في حكيها عن حظوة صلاح لدى مرسي، حضور مرسي المعنوي داخل تعبيرات صفية الحوارية يبدو أقوى في المشهد مما لو كان حضوراً مادياً، وعندما يخرج مرسي من السجن، يبدو أكثر نضجاً وقوة ودراسة لأحوال البلاد والعباد، يتحول من صديق إلى دليل، أكثر فهما وقوة، وأبعد نظراً من صلاح الذي لم يدخل كلية الحياة كما دخلها مرسي في السجن، بعد أن كان صلاح يريد أن يفديه بنفسه لأن مرسي متزوج ولديه طفل.
خلال رحلة الصعود يصبح لمرسي الثقل النفسي والشعوري والفكري والسيطرة الكاملة على صلاح، سيطرة الصديق المحب، ومجيب الأسئلة، تندفع التساؤلات من صلاح باتجاه مرسي عن كل شيء؛ المال والحب والمرأة والصعود الطبقي، ويجيب مرسي دون بخل أو مداراة، لكن عبر سيطرة كاملة، هنا لا يصبح الصديقين وجهان لعملة واحدة، لا، بل تزداد كتلة مرسي لصالح الاجابات، وتخف كتلة صلاح كلما زادت الأسئلة.
في فيلمه التالي”البحث عن سيد مرزوق”1990 نتابع نفس الصداقة التي تنبثق من لقاء عابر بين المقاول المهندس سيد مرزوق والمواطن الصالح يوسف كمال، يسأل يوسف ويجيب سيد، فتنفتح عينا يوسف على عوالم غريبة وسفلية وباطنية طالما حُرم منها، او حُجبت عنه، منذ أن حذره أحد أصغر أذرع السلطة من البقاء في الشوارع وقت المظاهرات عندما كان شاباً، آمراً إياه بأن يعود إلى بيته، لكن صديقه سيد مرزوق يمنعه من العودة إلى قوقعته، وفي وسط مرحلة الأسئلة والاكتشاف والحكي، يعلن يوسف لضابط المباحث ممثل السلطة الجديد في حياته أنه (يحب سيد مرزوق).
ومن يوسف إلى نرجس في “أرض الأحلام” 1993، التي هي المعادل الأنثوي له، تتوطد علاقتها برؤوف الساحر السكير لمجرد أنها تتصور أنه يعرف أين أضاعت جواز سفرها، من أجل أن تكتمل عزلتها! كل من يوسف ونرجس كانا بلا أحلام، بلا طموحات، قضيا نصف أعمارهما في البيت، وفي ليلة واحدة وعبر صداقة تنشأ من موقف عابر أو صدفة قدرية تتغير نظرتهما للعالم، وللحياة، والأهم؛ لأنفسهما.
وكما ملك كل من مرسي وسيد مرزوق ورؤوف الحكمة والإجابات التي تثير مزيد من الأسئلة، تتشكل بصيرة الصديق وسطوته القيادية على الخل الوفي –يمتاز صلاح ويوسف ونرجس بالإخلاص الشديد والتصديق المطلق لأصدقائهم في تلك المرحلة-.
هذه البصيرة القيادية تنعكس عندما نشاهد الحكاية عبر صداقة الشيخ حسني الكفيف بطل “الكيت كات”1991 بالشيخ عبيد الضرير، الذي يلتقيه بالصدفة عند شارع البحر، من المفارقات الإبداعية الجميلة في سينما داود اختيار الممثل على حسنين في دور سيد مرزوق البصير النافذ وفي دور الشيخ عبيد الكفيف التابع، وكأنه يحقق عدالة شعرية بعد أن هرب في نهاية فيلم “البحث عن سيد مرزوق”.
في “الكيت كات” نتابع مجموعة من علاقات الصداقة بين الشيخ حسني وبين عدة شخصيات بالفيلم، لكن أبرزها شخصية الشيخ عبيد الكفيف الذي يصطحبه حسني متسكعاً في الشوارع، معاكساً للسيدات، شارحاً لقصة فيلم في السينما، ومتنزهاً معه في قارب بالنيل، علاقة لا تبدو مرتبطة بشكل واضح مع حبكة الفيلم المعنية بمحاولات الشيخ حسني التحايل على هدم بيت أبيه، والذي باعه للفرارجي بالحشيش، بينما يطارده ابنه يوسف من أجل أن يحصل منه على تمويل هجرته للخارج!
تعكس علاقة الصداقة بين حسني وعبيد جانباً مهماً في شخصية حسني، عبيد هو الوحيد الذي لا يعرف أن حسني كفيف، وبالتالي تتعاظم قدرات بصيرته، ويكتمل حضوره الذي يرى أنه يستحقه، عبيد هو الذي يجعلنا نزداد تأثراً بالشخصية، وضوئها الداخلي، الساطع والمبهر.
بل لا يمكن أن نشعر بعمق اللحظة التي تتوطد فيها اخيراً صداقة الابن يوسف مع أبيه، إلا بعد أن نمر بعلاقة حسني وعبيد، حيث يعامل يوسف أباه أخيراً على اعتبار أنه مبصر، ويحقق له حلمه الدائم بركوب دراجة نارية، إلى أن يطيحا سوياً في الماء، ليصرخ يوسف ضاحكاً: “يابا انت راجل اعمى!”.
مؤكداً على الواقع الذي يعيش في أسره، والذي كان دوماً يمنعه من مصادقة أبيه ويرغب في الفرار منه.
لكن حسني يرد عليه بالحقيقة الأهم في علاقتهما: “ده أنا بشوف أحسن منك في النور وفي الضلمة كمان”.
وفي سينما داوود عبد السيد هناك دوماً فرق ملفت بين الواقع وبين الحقيقة!
بعدها يسهل أن نتتبع مرحلة السؤال في علاقات الصداقة في بقية أفلام عبد السيد، على سبيل المثال المشهد الشهير بين يحيى أبو دبوره وبين موظف البريد موسى في القصيد الفلسفي “أرض الخوف”.
أبو دبوره باسمه الحركي آدم، الذي يعيش بلا أصدقاء في مهمته داخل عالم تجارة المخدرات، لا يجد من يسأله سوى موسى، الاسم الحركي للشخص الذي من المفترض أنه يتلقى تقارير آدم من أرض الخوف!
آدم الإنسان الأول يسأل موسى كليم الله! هل أدت مهمته غرضها؟ هل نجح! هل هو ذاته أم لم يعد؟ أين ينتهي الواقع وتبدأ الحقيقة؟
وكما فجرت الصداقة مع مرسي و سيد مرزوق ورؤوف والشيخ حسني المزيد من الأسئلة، وباعدت بين الاجابات وبين الراحة المرجوة، لا يتمكن موسى من طمأنة آدم، حتى مع قداسة اسمه، لأن صداقته منقوصة بحكم غموض الظرف وعلو شأن المهمة.
من السيطرة إلى التمرد
عقب مرحلة السؤال تبدأ مرحلة التحدي في علاقة الصداقة، والتي تتحول في بعض ذروتها إلى ما يشبه التمرد أو الخصومة.
عندما تدخل منى حياة صلاح في “الصعاليك” تقول صفية لمرسى (أنت لا تحب هذه الفتاة لأنك لا تستطيع أن تسيطر عليها) فيصمت مؤمناً بعينيه على تلك المصارحة.
(مني) الاسم الذي يتكرر في الفيلم التالي لداود “البحث عن السيد مرزوق”، والتي يراها يوسف في محطات متفرقة كأنها طيف عابر، يحبها في صورة مستحيلة، ويسأل عنها سيد الذي يحاول السيطرة على مشاعر يوسف تجاهها عبر حكايات مختلفة ومختلقة يرويها عنها؛ تارة يسميها الأميرة رضا، وتارة نجوى، دون أن يعرف عنها شيئا- او ربما يعرف- لكنه لا يرغب في أن يشعر يوسف أن هناك عنصر أو شخص خارج صداقتهم يمكن أن يكسر إيهام السيطرة الذي يمارسه عليه.
وبالمثل يسيطر رؤوف على نرجس بحكاية جواز السفر الضائع لمجرد أن يضمن بقائها معه طوال ليلة رأس السنة، ويبقى الشيخ عبيد مع الشيخ حسني لأنه يرى العالم بعينيه التي لا تكفان عن (البحلقة)، ويبقى المواطن سليم مع صديقه المخبر فتحي عبد الغفور في”مواطن ومخبر وحرامي”2001 لكي يضمن الوصول إلى روايته التي سرقها الحرامي شريف المرجوشي، ويبقى يحيى مع قابيل في “رسائل البحر”2010 في محاولة لأن يعثر على تفسير لرسالة البحر التي عثر عليها في زجاجة شفافة اثناء الصيد!
مني وجواز السفر والحكايات والرواية ورسالة البحر كلها ادوات يصقل بها داود مرآة الصداقة التي ينعكس عليها جانب من فلسفته في كل فيلم!
يمكن هنا أن نتوقف لنشير عن أسلوب داود في توطيد الصداقة ثم الانتقال بها لمرحلة تالية في تجاربه؛
في “الصعاليك” تجمع صفية في رحمها بين مرسي وصلاح:
“اللي حصل ده كان مقدر كان غصب عني وعنك!
أني كنت معاك ومحستش إني معاك!
تعرف إني كنت حاسه بإيه! كنت حاسه إني مع مرسي!”
وهو نفس ما يعيد داود إنتاجه بعد سنوات في “مواطن ومخبر وحرامي” عندما تجمع حياة بين المواطن سليم والحرامي شريف؛ حيث تنام مع الإثنين، وتدعي دوماً أنها حامل من أحدهما كلما ضربها المخبر! وهو نفس ما يجمع بين الطبيب الباحث عن القدرات غير العادية يحيى المنقبادي وصديقه غير المباشر رجل السلطة عمر البنهاوي، حيث يتشارك الإثنان في نفس المرأة، يتكرر هنا اسم (حياة) مرة أخرى بشكل مقصود، كما يتكرر اسم (يحيى المنقبادي) القادم من “أرض الخوف”، لكنه هنا طبيب وليس ضابط! او على حد سؤال شيخ الطريقة له في “قدرات غير عادية”:
– هل أنجزت مهتمك يا دكتور؟
– مهمتي ما بتنتهيش أبداً يا مولانا!
– كلنا هذا الرجل.. عبيد تنتهي مهمتنا عندما نلتحق بالسيد!
بل إن الشيخ حسني نفسه عندما يبدأ في توطين بصره في مخيلة الشيخ عبيد، يصف له امرأة فائرة القوام مخملية التضاريس، بينما يجلسان على المقهى عقب لقائهما الأول!
هذا الخلط العميق استغلالاً لحضور المرأة في مرحلة تأسيس الصداقة والأسئلة المتلاحقة، يتبعه أيضاً تفجير التحدي والتمرد أحياناً انطلاقاً من المرأة نفسها كما في الصعاليك، عندما يرفض مرسي منى ويشجع صلاح على التخلص من أثرها على حياتهما ومستقبلهما، قبل أن يكتمل تمرد صلاح الكامل فيقتله مرسي في النهاية.
او يتمرد يوسف على سيد مرزوق، بعد أن ورطه في حادث مقتل شابلن الأصلي بالسيارة، في حين أن كل ما كان يرغب فيه يوسف أن يعرف المزيد عن منى، أو يلتقي بها ثانية في متاهات المدينة التي لا تنام!
حتى نرجس نفسها في “أرض الأحلام”، تتمرد على رؤوف في لحظة ما عندما تكتشف أن صداقتهم نوع من العبث الغريب الذي يمارسه عليها، وتقرر في لحظة أن تقتله، تماما كما أعلن يوسف لنفسه عندما اكتف خيانة سيد مرزوق له وتوريطه في حادث السير (هقتلك يا سيد يا مرزوق).
وفي حين تضع نرجس السكين على رقبة رؤوف بالسيارة قبل أن يصاب بأزمة قلبية، يطلق يوسف الرصاص على سيد مرزوق من مسدس سيد الفارغ لكنه بالطبع لا يصيبه، ويفقأ المواطن عين الحرامي بعد أن فشلت نصائحه في توطيد الصداقة بينهم برعاية من الصديق الثالث المخبر، ويصفع أبو دبورة موسي صديقه الوحيد في “أرض الخوف” لأنه عاجز عن أداء مهمته! وأخيراً يضحك الشيخ عبيد باكياً بعد أن عرف أن الشيخ حسني لم يكن سوى زميل له في خانة المكفوفين، وقت أن كادا يغرقا في النيل، حين أرسل الفرارجي من يهدد حسني من أجل إخلاء البيت!
عالم فريد ومتداخل
على الرغم من تشابه سياقات الصداقة بين شخصيات أفلامه، إلا أن مصائر العلاقات تتغير بتغير القضية أو الأزمة التي يطرحها دواد في كل تجربة!
في “الصعاليك” يجلس مرسي على كورنيش البحر ناعيا صديقه المغدور بيده عبر تذكر لحظات صعلكتهم الخالدة؛ في المشهد الذي يتكرر عند نهاية الفيلم، كأنه قرر الاحتفاظ بصلاح بداخله كحقيقة رغم غيابه القسري عن واقعه.
وفي “الكيت كات” تنتهي صداقة حسني والشيخ عبيد عند القارب النهري، لكن صداقة أخرى تبدأ مع يوسف عند كورنيش النيل عندما يدرك يوسف الفرق بين الواقع والحقيقة.
وفي “السيد مرزوق” يطلق يوسف النار من مسدس فارغ على صديق ليلة عيد ميلاده، لا لكي يقتله، بل لكي يقتل خوفه من الحياة، وكرغبة أن يوجد في العالم كما يشاء! لا كما تشاء السلطة أو الأخرون،
وفي “أرض الأحلام” تتخذ نرجس قرار بالبقاء مع صديقها الجديد رؤوف رفيق أطول ليلة في عمرها، بينما يجلسان على الرصيف المبلل بأمطار ليلة رأس السنة الغرائبية، التي عاشتها معها.
وعلى نفس الكورنيش يجلس قابيل ودكتور يحيى في “رسائل البحر” مبللين بنفس آثار المطر، لكي يفتشا عن وسيلة تحفظ لقابيل ذاكرته عقب عملية إزالة الورم، حتى يعود ليتعرف على يحيى مرة أخرى! ولا يمد يده ليقتل أحداً من جديد.
وفي “أرض الخوف” يموت موسى متخلياً عن آدم (ابو دبورة) تاركاً له فداحة الأسئلة والحنين الدائم لأرض الخوف.
وفي “مواطن ومخبر وحرامي” تتطور الصداقة بين الثلاثة إلى نسب ودم وصلة أرحام وأموال وأجساد في عجينة عبثية، تطرح سؤال المعادلة الغريبة حول العلاقة ما بين الطبقات والسلطة، ومحاولاتها التوازن المستحيل (فيها إيه لو نبقى واحد ونغير الأسامي).
هذا عالم فريد ومتداخل ومركب بشكل يصعب تفكيكه عبر سياق واحد؛ كاشف، أو سهل!
فوسط الشاشة السحرية الكبيرة، التي شكلتها مجتمعة علاقات الصداقة العديدة في سينما داوود عبد السيد، يمكن أن ندرك أنه كان معنياً بأن تظل أفلامه تنمو مع بعضها في كيان واحد، تتشابه فيه الأماكن وانماط العلاقات، بل وتتكرر فيه الأسماء بقصد، كأنه يعيد إنتاج حياة نفس الشخصية في عالم مواز، ويعيد اختبار اسئلة الحب والرغبة والحكمة، عبر مرايا عملاقة، تحتاج إلى أكثر من مجرد نظرة عابرة أو سريعة! بل إعادة استبطان وتأني في الاحتكاك بهذا المذهب الشعري الفلسفي الذي خطه لنفسه.
ولو أردنا استعارة جملة من سيرته السينمائية كممر صغير إلى عالمه الواسع، لن نجد سوى تلك النصيحة منه كصديق حين نعيد مشاهدة أفلامه، حيث يقول شيخ الطريقة في “قدرات غير عادية” إلى يحيى، الحائر، المتشكك، الهائم في صحبة الأسئلة : “أنت جئت لتعرف.. لا لتستريح”
* ناقد فني

