شكّل الحفاظ على التوازن في العلاقات بين روسيا والحلفاء في “الناتو” مهمة صعبة لأنقرة، لا سيما منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، إذ رفض الرئيس التركي رجب طيب أردوغان فرض عقوبات على موسكو، لكنه قيّد في المقابل قدرتها على إرسال سفن حربية إلى البحر الأسود عبر مضيق البوسفور، كما أرسل أسلحة إلى كييف.
وقال أردوغان في تصريحات خاصة لـ”بلومبرغ”، ورداً على أسئلة مكتوبة، إن بلاده، بفضل قدرتها على النأي بنفسها عن الحرب، “لا تزال مرشحة لاستضافة محادثات السلام المستقبلية” بين كييف وموسكو، ويمكنها “تقديم الدعم لمراقبة أي وقف لإطلاق النار بين البلدين المتحاربين”.
وأوضح أن “تركيا هي الطرف الوحيد القادر على التحدث مباشرة” مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، متابعاً: “بابنا مفتوح للجميع، لقد نقلت هذا العزم بوضوح وفي مناسبات عديدة إلى كلا الزعيمين”.
الدور التركي في السلام بغزة
وفي منطقة الشرق الأوسط، لعبت تركيا دوراً محورياً كوسيط رئيسي وراء وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي في غزة.
وقال أردوغان، وهو من أشد منتقدي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وإدارته للحرب على القطاع الفلسطيني، إن قوة الاستقرار الدولية المقترحة في غزة ستواجه صعوبة في اكتساب الشرعية دون مشاركة تركيا.
وأضاف: “نحن في موقع دولة محورية لمثل هذه المهمة نظراً لعلاقاتنا التاريخية العميقة مع الجانب الفلسطيني، والقنوات الأمنية والدبلوماسية التي أنشأناها مع إسرائيل في الماضي، ونفوذنا الإقليمي كعضو في حلف الناتو”.
وتابع: “إرادتنا السياسية واضحة، ونحن على أتم الاستعداد لتحمل أي مسؤولية من أجل تحقيق سلام دائم في غزة”.
العودة إلى برنامج مقاتلات F-35
ودعا الرئيس التركي إلى عودة بلاده إلى برنامج مقاتلات F-35 الذي تقوده الولايات المتحدة، قائلاً إن ذلك سيساهم في توطيد العلاقات مع واشنطن، وتعزيز أمن حلف الناتو.
وتُبرز هذه التصريحات مساعي الرئيس التركي لاستغلال علاقته الجيدة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإصلاح العلاقات التي توترت قبل نحو عقد من الزمن بسبب شراء تركيا منظومات دفاع جوي روسية الصنع.
ويُعيد التقارب المتزايد في أولويات السياسة بين أنقرة وواشنطن، والذي يشمل الدفاع والطاقة وتوجيه الصراعات الإقليمية، تشكيل استراتيجية تركيا في الموازنة بين حلف الناتو، الذي تُعد تركيا عضواً فيه، وروسيا، أكبر شركائها التجاريين.
وقال أردوغان إنه عرض هذا الأمر شخصياً على ترمب خلال اجتماعهما في البيت الأبيض في سبتمبر الماضي، واصفاً قرار استبعاد تركيا من برنامج F-35 بسبب شراء تركيا لمنظومة الدفاع الجوي الروسية S-400، بأنه “ظالم”.
وقال أردوغان: “مع عودة ترمب إلى منصبه، برزت فرصةٌ لنقل العلاقات التركية الأميركية إلى مسارٍ أكثر عقلانيةً”.
وأضاف: “استلام تركيا لطائرات F-35 التي دفعت ثمنها بالفعل، وإعادة دمجها في البرنامج، أمر مهم وضروري”، لتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة وحلف الناتو في مجال الدفاع.
منظومة S-400
وذكرت “بلومبرغ”، الشهر الماضي، أن تركيا تسعى لإعادة منظومات الدفاع الجوي S-400 التي اشترتها من روسيا. وأثار أردوغان هذه القضية مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين خلال اجتماعٍ في تركمانستان، في إشارة إلى محاولته إصلاح العلاقات الدفاعية مع الولايات المتحدة، التي وصفها أردوغان بأنها “ركيزةٌ أساسية” للعلاقات الثنائية.
وقال توم باراك، السفير الأميركي لدى تركيا، أواخر العام الماضي، إن أنقرة تقترب من التخلي عن منظومات S-400، متوقعاً إمكانية حل هذه المسألة في غضون أربعة إلى ستة أشهر.
وتسعى تركيا أيضاً لشراء مقاتلات أميركية من طراز F-16 Block 70، على الرغم من أن الأسعار لا تزال قيد المناقشة.
وقال أردوغان إن أنقرة تتوقع أن تكون الشروط متوافقة مع روح حلف الناتو، مستشهداً بشراء تركيا طائرات “يوروفايتر” كمثال.
ومن بين المشاكل الأخرى التي تعكر صفو العلاقات التركية الأميركية، القضية المستمرة منذ ما يقرب من عقد من الزمان والمتعلقة ببنك “تركيا هالك بانكاسي” المملوك للدولة.
ووُجهت للبنك اتهامات في عام 2019 بالمشاركة في مخطط بمليارات الدولارات للتحايل على العقوبات المفروضة على إيران. ويواجه البنك تهماً بالاحتيال وغسل الأموال وانتهاك العقوبات.
وقال أردوغان إن تركيا تعتبر هذه الادعاءات مضللة، وتجري محادثات لحماية البنك من “مواجهة عقوبات غير عادلة”، مضيفاً: “نأمل في التوصل إلى نتيجة عادلة تتوافق تماماً مع القانون”.
الغاز الأميركي
وتُعد تركيا ثالث أكبر مشترٍ للنفط الخام الروسي، وتعرضت لضغوط من إدارة ترمب في سبتمبر الماضي، للحد من واردات النفط من موسكو. وبدأت مصافي النفط التركية بتقليص مشترياتها بعد أن فرضت الولايات المتحدة عقوبات على أكبر منتجين للنفط في موسكو أواخر العام الماضي.
وفي محاولة لمعالجة المخاوف الأميركية، أعادت أنقرة النظر في استراتيجيتها للغاز، مركزةً على محفظة استثمارية تتمحور حول الغاز الطبيعي المسال الأميركي، وأعلنت سعيها لجذب استثمارات في حقول النفط والغاز الأميركية.
وقال أردوغان: “لقد زدنا إمداداتنا من الغاز الطبيعي المسال بشكل ملحوظ، لا سيما من الولايات المتحدة”، التي باتت تحتل “مكانة بارزة” في سلسلة الإمداد التركية.
وأضاف الرئيس التركي: “موقف تركيا واضح تماماً، نحن نتصرف بما يتماشى مع مصالحنا الوطنية وأمننا الطاقي”، متابعاً: “وبصفتنا دولة تعتمد على الواردات لتلبية جزء كبير من احتياجاتها من المحروقات، يجب علينا اتباع نهج حذر ومتوازن في جميع المسائل التي قد تؤثر على أمننا الطاقي”.
لكن روسيا لا تزال تستحوذ على 61% من مشتريات تركيا من النفط و40% من إمداداتها من الغاز، وفقاً لأحدث البيانات الرسمية التركية، وهي هيمنة ممتدة منذ عقود، ومن المرجح أن يستغرق التخلص منها سنوات.

