حسين زلغوط, خاص – «رأي سياسي»:

تعود العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران إلى نقطة الغليان كلما ظنّ العالم أن التصعيد بلغ مداه الأقصى. صراع طويل، متشعّب، ومفتوح على احتمالات شتّى، لكنه في جوهره يدور حول سؤال واحد يتجدّد باستمرار: هل نحن أمام مواجهة حتمية، ومن يجرؤ على إطلاق الصاروخ الأول؟
منذ انتصار الثورة الإسلامية، تعيش العلاقات الأميركية–الإيرانية حالة عداء، لم تفلح العقوبات ولا المفاوضات ولا الاتفاقات المرحلية في تفكيكه. فالخلاف ليس تقنياً أو ظرفياً، بل هو صراع نفوذ ورؤى ومشاريع متناقضة في الإقليم، تتداخل فيه الأيديولوجيا بالأمن القومي وبموازين القوة. واشنطن ترى في إيران دولة متمرّدة تهدّد استقرار الشرق الأوسط ومصالحها وحلفاءها، فيما تنظر طهران إلى الولايات المتحدة باعتبارها قوة تسعى لمحاصرتها وكسر إرادتها ومنعها من لعب دور إقليمي فاعل.
في الظاهر، تبدو واشنطن الطرف الأكثر قدرة على المبادرة العسكرية: تفوّق عسكري كاسح، انتشار واسع للقواعد والأساطيل، وقدرة على توجيه ضربات دقيقة وسريعة. لكن هذا التفوّق لا يعني سهولة القرار، فإطلاق الصاروخ الأول يحمل كلفة سياسية وعسكرية عالية، ويفتح أبواب مواجهة قد لا يمكن ضبط إيقاعها أو حصر جغرافيتها. فأي ضربة أميركية مباشرة لإيران قد تشعل الإقليم من الخليج إلى شرق المتوسط، وتضع المصالح الأميركية أمام اختبار غير مضمون النتائج.
في المقابل، لا تبدو إيران في موقع الساعي إلى الحرب الشاملة، لكنها في الوقت نفسه لا تقبل بسياسة حافة الهاوية من دون رد. فاستراتيجيتها تقوم على الردع المتدرّج، وتوسيع دائرة الضغط دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة. كما أن طهران تراكم أوراقها عبر نفوذها الإقليمي، وقدراتها الصاروخية، وشبكة حلفائها، لتقول إن أي استهداف لها لن يبقى محصوراً في حدودها الجغرافية. فالصاروخ الأول، بالنسبة إلى إيران، ليس قراراً انفعالياً، بل خطوة محسوبة قد تُفرض عليها إذا شعرت بأن وجودها أو نظامها بات مهدَّداً.
بين الطرفين، تتقدّم منذ مدة طويلة سياسة «الضرب دون تبنٍّ»، والاستنزاف غير المباشر، والرسائل النارية المضبوطة. اشتباكات بالوكالة، تهديدات متبادلة، وحروب أعصاب لا تهدأ. كل طرف يحاول اختبار أعصاب الآخر، ودفعه إلى التراجع من دون أن يتحمّل مسؤولية الانفجار الكبير. هذه المنطقة الرمادية هي أخطر ما في الصراع، لأنها ترفع منسوب الخطأ في الحسابات، وتجعل شرارة صغيرة قادرة على إشعال حريق واسع.
اللاعبون الإقليميون يزيدون المشهد تعقيداً. فإسرائيل، التي تتوقّع أن يكون الهجوم الأميركي قبل نهاية هذا الأسبوع، وقد أعلنت في الساعات الماضية حالة التأهّب، تضغط باتجاه تشديد المواجهة مع إيران، وترى في أي تهاون فرصة لتقدّم خصمها الاستراتيجي. أما دول الخليج، فهي توازن بين مخاوفها الأمنية ورغبتها في تجنّب حرب مدمّرة. أما أوروبا، فتبدو عاجزة عن لعب دور مؤثّر، مكتفية بالدعوات إلى التهدئة وإحياء المسارات الدبلوماسية.
وهنا يُطرح السؤال المخيف: «من يطلق الصاروخ الأول؟». فالحرب، إذا اندلعت، قد لا تبدأ بصاروخ واضح المعالم، بل بسلسلة أحداث متراكمة: حادث أمني، ضربة غير محسوبة، أو قرار سياسي خاطئ. في هذا السياق، لا يبحث الطرفان عن الحرب، لكنهما يستعدّان لها، ويعيشان على حافتها.
وفي هذا السياق، تقول أوساط سياسية تتابع عن كثب الكباش الحاصل إن الصراع الأميركي–الإيراني ليس سباقاً نحو إطلاق الصاروخ الأول، بل معركة إرادات طويلة النفس، يسعى فيها كل طرف إلى فرض معادلاته دون الانزلاق إلى الهاوية. لكن التاريخ علّم المنطقة أن اللعب بالنار، مهما بدا مضبوطاً، قد يخرج عن السيطرة في لحظة واحدة. والسؤال الحقيقي لم يعد من يطلق الصاروخ الأول، بل من يستطيع تحمّل تبعاته حتى النهاية.

