سرّحت صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية مئات الصحافيين الأربعاء، في خطوة وصفها رئيس تحريرها التنفيذي السابق بأنها “من أحلك الأيام” في تاريخ الصحيفة، إذ طالت عمليات التسريح ما يقرب من ثلث العاملين، وفق صحيفة “الجارديان” البريطانية.
وأوضحت الصحيفة، في تقرير لها، أن العاملين في “واشنطن بوست” كانوا يعيشون حالة من القلق والترقّب منذ أسابيع، بسبب الشائعات المتداولة حول عمليات تسريح مرتقبة، والتي لم تؤكدها الصحيفة أو تنفيها. ونقلت الصحيفة عن أحد الموظفين، والذي طلب عدم الكشف عن هويته، قوله إن ما جرى “مجزرة حقيقية”.
وخلال اجتماع صباحي أُعلن فيه عن هذه التغييرات، قال رئيس التحرير الحالي مات موراي، للموظفين إن الصحيفة تُجري “إعادة هيكلة استراتيجية” تهدف إلى تحسين وضعها في المستقبل، وذلك وفقاً لما نقلته “الجارديان” عن موظفين الذين شاركوا في الاجتماع.
وأشار موراي إلى أن “واشنطن بوست” واجهت صعوبات في الوصول إلى القراء، وتحدث عن ضرورة المنافسة في السوق الإعلامي المزدحم الحالي. وقال، وفقاً لتسجيل صوتي للاجتماع: “اليوم، تتخذ واشنطن بوست عدداً من الإجراءات على مستوى الشركة لضمان مستقبلها”.
إغلاق قسم الرياضة وتقليص التغطية الدولية والمحلية
وأبلغ موراي الموظفين أن الصحيفة ستُنهي الصيغة الحالية لقسمها الرياضي الشهير، مع الإبقاء على بعض العاملين ضمن فريق جديد. كما أعلن عن إعادة هيكلة التغطية المحلية، وتقليص عمليات التغطية الدولية، وإغلاق قسم الكتب، وتعليق البودكاست الإخباري اليومي الرئيسي للصحيفة.
وأوضح أنه على الرغم من تقليص فريق التغطية الدولية، فإنه سيتم الإبقاء على نحو 12 مكتباً “مع التركيز على قضايا الأمن القومي”.
وقال موراي مخاطباً الموظفين عبر الهاتف: “نحن جميعاً ندرك أن الإجراءات التي نتخذها اليوم ستكون مؤلمة، وبالأخص لمن تأثروا بها بشكل مباشر، لكنها ستكون كذلك للجميع”.
وأضاف: “أعلم أن إعادة الهيكلة هذه ستُحدث صدمة وستثير الكثير من التساؤلات لدى الجميع”.
“أحلك أيام الصحيفة”
من جانبه، قال مارتي بارون، الذي شغل منصب رئيس التحرير التنفيذي للصحيفة حتى عام 2021: “هذا اليوم يُصنَّف ضمن أحلك الأيام في تاريخ واحدة من أعظم المؤسسات الإخبارية في العالم”.
وفي محاولة لتبرير قرار التسريح من منظور إداري، قال موراي إن هذه الخطوة “تهدف إلى تعزيز مكانتنا لنصبح أكثر أهمية في حياة الناس، ضمن مشهد إعلامي يزداد ازدحاماً وتنافسية وتعقيداً”.
وأضاف: “أعلم أن الأسبوعين الماضيين كانا فترة متوترة ومُشتتة للانتباه على نحو غير معتاد للجميع، وأعلم أن هذا سيكون يوماً صعباً. وأُقدّر جودة وتميّز عملكم خلال هذه الفترة”.
وأوضح موراي أن أكبر فريق عمل في الصحيفة سيركّز على تغطية الشؤون السياسية والحكومية، إلى جانب إعطاء أولوية لأخبار الولايات المتحدة، بالإضافة إلى التقارير المتنوعة في العلوم والصحة والطب والتكنولوجيا والمناخ والأعمال.
وبحسب الصحيفة البريطانية، سيظل موظفو “واشنطن بوست” الذين تم تسريحهم على كشوف العاملين حتى 10 أبريل المقبل، من دون إلزامهم بأداء مهامهم، مع حصولهم على تغطية تأمين صحي لمدة ستة أشهر.
وشملت قائمة المتأثرين بقرار التسريح الصحفية كارولاين أودونوفان، التي تغطي أخبار شركة “أمازون”، التي أسسها مالك الصحيفة جيف بيزوس. كما أعلن صحافيون آخرون، من بينهم الصحافي الرياضي نيل جرينبيرج، أنهم من بين المتضررين.
تقليص حجم “واشنطن بوست”
وبعد سنوات من النمو في ظل ملكية بيزوس، بدأت الصحيفة خفض عدد العاملين خلال الأعوام الأخيرة. ووفقاً للتقرير، غادر نحو 240 موظفاً عبر برامج تعويضات اختيارية طُرحت في نهاية عام 2023، كما قبل عدد آخر من الموظفين عروضاً مماثلة خلال العام الماضي، شملت جميع مَن تجاوزت خبرتهم 10 أعوام.
وأشار التقرير إلى أن تسريح الصحافيين، ولا سيما في غرفة الأخبار، كان أقل شيوعاً. ففي خريف 2024، سرّحت الصحيفة 54 موظفاً من القسم المسؤول عن برامج النشر الخاصة بها، وفي يناير 2025 جرى تسريح نحو 4% من العاملين في أقسام الإعلان والتسويق والطباعة.
وخلال الأسبوع الماضي، حثّ موظفو الصحيفة بيزوس على وقف التخفيضات المخطط لها أو تخفيفها، من خلال توقيع رسائل جماعية وإرسال رسائل شخصية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، شددوا فيها على أهمية الصحافة التي تنتجها “واشنطن بوست”.
إلا أن بيزوس، بحسب التقرير، التزم الصمت، ولم يرد على سلسلة من الرسائل التي بعث بها موظفون يمثلون فرق التغطية الأجنبية والمحلية وفريق تغطية البيت الأبيض.
وحذّر مارتي بارون من أن “طموحات (واشنطن بوست) ستتقلص بشكل حاد، وسيُستنزف طاقمها الموهوب والشجاع بشكل أكبر، وسيُحرم الجمهور من التغطية الميدانية القائمة على الحقائق، سواء في المجتمعات المحلية أو حول العالم، في وقت نحن في أمس الحاجة إليها”.
وقال رئيس التحرير التنفيذي السابق للصحيفة: “لقد خلّفت مساعي بيزوس المقيتة لكسب ود الرئيس (الأميركي دونالد) ترمب وصمة عار بشعة”. وأضاف: “هذه دراسة حالة في التدمير الذاتي شبه الفوري للعلامة التجارية”.
من جانبه، قال الاتحاد النقابي الذي يمثل غالبية موظفي الصحيفة إن عمليات التسريح التي جرت الأربعاء، لم تكن “حتمية”. وأضافت: “لا يمكن تفريغ غرفة الأخبار من كوادرها دون عواقب على مصداقيتها وانتشارها ومستقبلها”.
وتابعت: “الاستمرار في الاستغناء عن العاملين لن يؤدي إلا إلى إضعاف الصحيفة، وتنفير القراء، وتقويض رسالة (واشنطن بوست) المتمثلة في محاسبة السلطة دون خوف أو تحيّز، وتوفير المعلومات الحيوية للمجتمعات على مستوى المنطقة والبلاد والعالم”.
وأشار الاتحاد إلى أن بيزوس قد لا يكون المالك الأنسب للصحيفة، قائلاً: “إذا لم يعد جيف بيزوس مستعداً للاستثمار في الرسالة التي ميّزت هذه الصحيفة لأجيال، وخدمة الملايين الذين يعتمدون على صحافتها، فإن الصحيفة تستحق راعياً آخر يحقق هذا”.
وأعلن الاتحاد عن تنظيم احتجاج على قرارات التسريح أمام المقر الرئيسي للصحيفة في واشنطن العاصمة، الخميس.

