حسين زلغوط
خاص_”رأي سياسي”:

يشرع مجلس النواب اليوم في مناقشة مشروع قانون الموازنة العامة على مدى ثلاثة أيام متتالية، في جلسات يُفترض أن تكون مالية بامتياز، لكنها تأتي مثقلة بتوترات سياسية حادة وانقسامات عميقة، تجعل من الموازنة ساحة مواجهة إضافية بين الكتل، لا مجرد أداة لتنظيم الإنفاق العام وضبط المالية العامة.
توقيت المناقشات ليس عادياً، فالبلاد تقف عند تقاطع أزمات متراكمة: انهيار اقتصادي لم تُستكمل معالجته، ضغوط اجتماعية خانقة، عجز مزمن في الخزينة، وبيئة إقليمية متقلبة تُلقي بظلالها الثقيلة على الاستقرار الداخلي، ولذلك ينتظر أن تتحول الموازنة من نص مالي إلى مرآة تعكس توازنات السلطة، وحدود التوافق، وعمق الانقسام حول الخيارات الاقتصادية والمالية.
من حيث الشكل، يُفترض أن تناقش الهيئة العامة أرقام الموازنة بنداً بنداً، من الإيرادات إلى النفقات، مروراً بالضرائب والرسوم، وسقف العجز، ومقاربات تمويل الدولة. لكن من حيث الجوهر، فإن النقاش يتجاوز الحسابات إلى أسئلة سياسية كبرى: من يدفع كلفة الأزمة؟ هل تُحمَّل الطبقات المتوسطة والفقيرة عبئاً إضافياً؟ أم تُفتح مواجهة جدية مع مكامن الهدر والتهرب الضريبي والإنفاق غير المنتج؟
المؤشرات الأولية توحي بأن الجلسات ستكون ساخنة، خصوصا وان الوقائع ستنقل على الهواء مباشرة. فبعض الكتل تعتبر أن مشروع الموازنة يفتقر إلى رؤية إصلاحية حقيقية، ويكتفي بإجراءات تقشفية ظرفية لا تعالج جذور الأزمة، فيما ترى كتل أخرى أن إقرار الموازنة، مهما كانت ملاحظاتها، يبقى ضرورة لمنع شلل مالي كامل، ولتأمين الحد الأدنى من انتظام عمل الدولة.
الانقسام لا يقتصر على الأرقام، بل يطال المنهج، فهناك من يطالب بموازنة إصلاحية تُربط بإجراءات واضحة لإعادة هيكلة القطاع العام، وضبط المؤسسات، وتحديث النظام الضريبي بشكل عادل، مقابل من يفضّل مقاربة تدريجية، تتجنب الصدمات السياسية والاجتماعية، حتى لو جاءت على حساب العمق الإصلاحي.
وفي خلفية النقاش، تحضر السياسة بقوة، فالموازنة تُستخدم، في كثير من الأحيان، كأداة تسجيل نقاط بين السلطة والمعارضة، وكمنبر لتوجيه الرسائل، سواء داخلية أو خارجية. بعض النواب سيستثمر المنصة لمهاجمة السياسات الحكومية، وآخرون للدفاع عنها أو تبرير خياراتها، كما انها “السلاح” وحصريته، سيكون حاضرا بقوة ما يهدد بتحويل الجلسات إلى سجالات سياسية طويلة، تُبطئ النقاش التقني وتُرهق الرأي العام.
ثلاثة أيام من المناقشات تبدو، نظرياً، مساحة كافية لنقاش معمق، لكنها عملياً اختبار لقدرة المجلس على الفصل بين الضرورة المالية والحسابات السياسية. فالتجارب السابقة أظهرت أن الموازنات غالباً ما تُقر تحت ضغط الوقت، مع تعديلات محدودة، فيما تُرحَّل الإشكاليات الكبرى إلى مواعيد لاحقة لا تأتي.
الرهان الأساسي يبقى على ما إذا كان المجلس سينجح في إنتاج موازنة تشكّل خطوة، ولو متواضعة، باتجاه انتظام مالي وإشارة ثقة داخلية، أم أن الانقسامات ستُفرغ النقاش من مضمونه، وتُخرج موازنة مثقلة بالتسويات، عاجزة عن مواكبة حجم الانهيار والتحديات.
في خلاصة الأمر، لا تُختصر جلسات الأيام الثلاثة بأرقام وبنود فقط، بل بمسار سياسي – اقتصادي كامل. فإما أن تتحول الموازنة إلى محطة لإعادة الاعتبار لدور البرلمان في الرقابة والتصحيح، أو تبقى حلقة إضافية في سلسلة إدارة الأزمة لا حلّها. وبين هذين الخيارين، يقف اللبنانيون مترقبين، وهم يدركون أن أي رقم يُقر تحت القبة البرلمانية سينعكس مباشرة على معيشتهم اليومية، في بلد لم يعد يحتمل مزيداً من التجارب المؤجلة.

