
حسين زلغوط
خاص_ “رأي سياسي”:

لا يمكن قراءة إعلان البيت الأبيض عن تشكيل ما سُمّي «مجلس السلام»، بالتوازي مع اعتماد تشكيلة «اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزة»، على أساس أنه خطوة إجرائية عابرة في مسار إنهاء الحرب، بل كتحول سياسي عميق في مقاربة الولايات المتحدة لمستقبل القطاع. فالمسألة تتجاوز وقف النار وإدارة مرحلة ما بعد الحرب، لتلامس سؤالاً حساساً طالما جرى تجنبه: هل يجري وضع غزة عملياً على سكة الوصاية الدولية بصيغة جديدة ومقنّعة؟
في الظاهر، تبدو الخطوة محاولة لإنتاج إطار انتقالي يملأ الفراغ السياسي والأمني الذي خلّفته الحرب، ويمنع عودة الحرب أو الانزلاق نحو صراعات داخلية. غير أن التدقيق في العناوين العريضة يكشف أن “مجلس السلام” ليس مجرد هيئة دعم أو تنسيق، بل مظلة سياسية وأمنية عابرة للحدود، تمتلك صلاحيات التأثير في القرار، وتحدد سقوف الحركة أمام أي إدارة فلسطينية ناشئة في القطاع، وهنا تكمن الإشكالية الأساسية.
فالوصاية الدولية، بمفهومها المعتاد، تقوم على سحب القرار السيادي من أهله بحجة العجز أو الضرورة، وإسناده إلى هيئة خارجية تدير الشأن العام تحت عنوان الاستقرار وإعادة الإعمار. وما يُطرح اليوم لغزة لا يختلف كثيراً في الجوهر، وإن اختلف في الشكل. فوجود لجنة فلسطينية لإدارة القطاع لا يلغي حقيقة أنها تعمل ضمن إطار سياسي وأمني مرسوم سلفاً، وتحت رقابة مجلس خارجي يملك مفاتيح التمويل والاعتراف والشرعية.
والأخطر في هذا الطرح أنه يفصل غزة عن سياقها الوطني الأشمل، ويعيد تكريس التعامل معها كوحدة سياسية قائمة بذاتها، لا كجزء من قضية فلسطينية واحدة، فبدلاً من ربط مستقبل القطاع بمسار سياسي شامل يعالج جذور الصراع، يجري اختزال الحل في إدارة أزمة، وإعادة تدوير واقع الاحتلال والحصار بصيغة أكثر نعومة، وهذا ما يحوّل “السلام” الموعود إلى إدارة طويلة الأمد للصراع، لا إلى إنهائه.
كما أن تشكيل “مجلس السلام” يطرح أسئلة عن ميزان القوى الحقيقي داخله، وعن الجهة التي تملك الكلمة الفصل في قراراته. فإذا كانت الولايات المتحدة اللاعب المركزي في رسم صلاحياته من خلال رئاسته من قبل الرئيس دونالد ترامب، فإن ذلك يعني عملياً نقل مركز القرار من غزة، ومن الفلسطينيين عموماً، إلى الخارج. عندها تصبح اللجنة الفلسطينية واجهة محلية لقرار دولي، لا تعبيراً عن إرادة وطنية مستقلة.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن غزة، بعد حرب مدمّرة، تحتاج إلى إدارة انتقالية قادرة على ضبط الأمن، وإطلاق إعادة الإعمار، وتخفيف المعاناة الإنسانية. لكن الفرق كبير بين مساعدة دولية داعمة، وبين وصاية تتحكم بالمسار السياسي وتعيد تعريف الأولويات. الأولى يمكن أن تشكل جسراً نحو استعادة القرار الوطني، أما الثانية فتكرّس التبعية وتؤجل الانفجار إلى موعد لاحق.
من هنا، يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط: هل نحن أمام وصاية دولية؟ بل إلى أي حدّ سيُسمح للفلسطينيين بتقرير شكل إدارتهم ومستقبلهم السياسي؟ وهل يشكل “مجلس السلام” مرحلة عابرة نحو حل عادل، أم إطاراً دائماً لإدارة غزة خارج معادلة السيادة؟
إن ما يجري اليوم يوحي بأن غزة تُدفع نحو نموذج هجين: لا احتلال مباشر، ولا سيادة حقيقية، إدارة محلية محدودة الصلاحيات، ومجلس دولي يرسم الخطوط الحمراء. وهذا النموذج، مهما غُلّف بشعارات السلام والاستقرار، يبقى وصفة مفتوحة لإدامة الأزمة، لا لإنهائها. فالسلام الذي يُفرض من الخارج، بلا عدالة ولا تمكين وطني، غالباً ما يكون هدنة طويلة، لا نهاية حقيقية للحرب.

