كشفت دراسة حديثة، أجراها باحثون في الولايات المتحدة، عن لقطات نادرة وفريدة من نوعها تحت الماء، توثق تفاعل الطيور البحرية والفقمات والأسماك مع توربينات طاقة المد والجزر قبالة سواحل ولاية واشنطن.
وتغير نتائج الدراسة الكثير من المفاهيم السائدة عن أثر الطاقة المتجددة البحرية؛ إذ تشير بوضوح إلى أن الاصطدامات نادرة جداً، خاصة بالنسبة للكائنات الكبيرة التي تمتلك وعياً بيئياً وسلوكيات واضحة في التفادي.
وأظهرت صور ومقاطع فيديو منشورة مع الدراسة؛ طيوراً غاطسة، وفقمات تسبح بمرونة بالقرب من التوربينات، بالإضافة إلى أسراب من الأسماك التي تتجمع حول الهيكل.
طاقة المد والجزر
قال الباحثون إن الدراسة التي نشرتها دورية PLOS ONE تمثل خطوة مهمة نحو فهم الأثر البيئي لتقنيات الطاقة المتجددة البحرية.
وأصبحت الطاقة البحرية، خاصة طاقة المد والجزر، من الخيارات الواعدة للطاقة النظيفة لاعتمادها على حركة طبيعية ومتكررة للمياه يمكن استغلالها في توليد الكهرباء.
تعتمد طاقة المد والجزر على استغلال حركة المياه الناتجة عن ارتفاع مستوى البحر وانخفاضه بفعل الجاذبية، ويتم تثبيت توربينات خاصة في المناطق التي تشهد تيارات قوية، فتدور التوربينات مع حركة الماء وتحول الطاقة الحركية إلى طاقة كهربائية، وتمتاز هذه التقنية بدرجة عالية من الاستقرار مقارنة بمصادر متجددة أخرى مثل الرياح أو الطاقة الشمسية؛ لأن مواعيد المد والجزر يمكن التنبؤ بها بدقة.
وتثور تساؤلات بشأن تأثير التوربينات التي تعمل داخل البيئة الطبيعية للكائنات البحرية، واحتمالات التداخل، أو الاحتكاك بين التكنولوجيا الحديثة والكائنات الحية.
ولسنوات طويلة، ظل هذا الموضوع محل جدل واسع بين العلماء والجهات التنظيمية المعنية بحماية البيئة، ويرجع ذلك بالأساس إلى نقص البيانات الميدانية المباشرة؛ فالرصد تحت الماء في مناطق التيارات القوية يُعد مهمة معقدة تقنياً، كما أن مراقبة سلوك الكائنات البحرية في ظروف طبيعية وعلى مدار فترات زمنية طويلة ليست بالأمر السهل، وهو ما جعل كثيراً من التقييمات السابقة تعتمد على نماذج نظرية أو ملاحظات محدودة.
أول توثيق بصري
وتمثل الدراسة خطوة غير مسبوقة في مجال الرصد البيئي لطاقة المد والجزر، إذ وفرت أول توثيق بصري مباشر في أميركا الشمالية لتفاعل الأسماك والفقمات والطيور البحرية مع توربين مد وجزر تحت الماء، ما أتاح للباحثين فرصة نادرة لمراقبة ما يحدث في الواقع، بعيداً عن الافتراضات، ووضع أسس علمية أكثر دقة لفهم الأخطار الحقيقية المحتملة لهذه التكنولوجيا الواعدة.
تعود المخاوف العلمية المرتبطة بتوربينات المد والجزر إلى طبيعة البيئة التي تعمل فيها؛ فهذه التوربينات تُثبت داخل أعمدة الماء وفي مناطق تشهد تيارات بحرية قوية وسريعة، وهي في الوقت ذاته مناطق حيوية تعتمد عليها أعداد كبيرة من الكائنات البحرية، إذ تمر عبرها الأسماك خلال هجرتها الموسمية، وتعتمدها الثدييات البحرية مثل الفقمات كمناطق غنية بالغذاء، كما تقصدها الطيور البحرية التي تغوص لصيد الأسماك؛ هذا التداخل المكاني بين التكنولوجيا والكائنات الحية هو أساس القلق العلمي.
ويتمثل أحد أبرز هذه المخاوف في احتمال حدوث اصطدام مباشر بين الكائنات البحرية وشفرات التوربين أثناء دورانها.
ولا يقتصر القلق على الاصطدام المباشر فقط، بل يمتد إلى التأثيرات السلوكية المحتملة؛ إذ يخشى العلماء من أن يؤدي وجود التوربينات إلى دفع الكائنات البحرية إلى تجنب مناطق معينة كانت تعتمد عليها سابقاً في التغذية أو الهجرة.
كما تُعد الضوضاء الناتجة عن عمل التوربينات تحت الماء مصدر قلق آخر، خاصة بالنسبة للثدييات البحرية التي تعتمد على السمع في التواصل وتحديد الموقع.
دراسة عملية
وهناك مخاوف من تأثيرات غير مباشرة ربما لا تكون واضحة للوهلة الأولى، مثل تغيير حركة الرواسب في قاع البحر أو التأثير على الكائنات البحرية الصغيرة التي تشكل أساس السلسلة الغذائية.
وانطلاقاً من هذه المخاوف، ركزت الدراسة الجديدة على توربين عملي كامل الوظائف، مصمم لتوفير طاقة محدودة في البيئات البحرية العميقة، مثل تشغيل أجهزة القياس العلمية، أو شحن المركبات البحرية ذاتية الحركة، ويتميز هذا التوربين بتصميم ذي محور رأسي و4 شفرات، ويصل ارتفاعه إلى نحو متر وربع المتر بقطر يقل عن متر.
ويبدأ النظام في توليد الطاقة بمجرد وصول سرعة التيار إلى متر واحد في الثانية، حيث تصل سرعة أطراف شفراته أثناء الدوران إلى ضعف سرعة التيار تقريباً، ما يجعله نموذجاً مثالياً لفئة الأنظمة المتوقع انتشارها مستقبلاً في المحيطات.
واستعان الباحثون بنظام مراقبة متكامل يعمل كـ”مختبر متنقل” تحت الماء. شمل النظام كاميرات بصرية عالية الدقة مدعومة بإضاءة اصطناعية للاستخدام الليلي، إلى جانب أنظمة صوتية متطورة لرصد الحركة حتى في المياه العكرة، ومجسّات دقيقة لقياس سرعات التيار، واستند التحليل الأساسي للدراسة على الصور البصرية، لقدرتها الفائقة على توثيق سلوك الكائنات بدقة وتحديد لحظات الاقتراب، أو الاصطدام بشكل مباشر وموثوق.
نجح الفريق البحثي في تسجيل وتوثيق 1044 حدثاً ظهرت فيها كائنات بحرية متنوعة بالقرب من التوربين، شملت فقمات، وطيوراً بحرية غاطسة، وأسماكاً فردية، وأسراباً كاملة، وتم تحليل كل حدث وفق معايير صارمة، شملت وقت الظهور، وحالة الإضاءة، وسرعة التيار، بالإضافة إلى مراقبة حالة التوربين، سواء كان في وضع التشغيل أو التوقف، لفهم كيفية استجابة هذه الكائنات لوجود هذا الجسم الغريب في بيئتها.
سلوك ذكي في التفادي
أظهرت النتائج أن الأسماك كانت الكائنات الأكثر حضوراً، حيث تم تسجيل أكثر من 500 حدث لأسماك فردية و19 حدثاً لأسراب كاملة؛ وبشكل عام، بدت الأسماك متأقلمة مع وجود التوربين؛ فمعظمها كان يتحرك مع التيار بانسيابية، عابرة فوق التوربين أو تحته دون تغيير مساراتها بشكل حاد.
والأهم من ذلك، أظهرت الأسماك سلوكاً ذكياً في “التفادي”، حيث لوحظ في عشرات الحالات أن الأسماك تغير اتجاهها فجأة، أو الغوص للأسفل، أو السباحة عكس التيار بمجرد استشعارها لمنطقة خطر الشفرات الدوارة.
وأثبتت الدراسة أن الاصطدامات كانت نادرة جداً؛ إذ سُجلت 4 حالات فقط لاصطدام أسماك صغيرة بالشفرات أثناء دورانها، مقابل أكثر من 200 سمكة مرت بأمان تام في نفس الظروف؛ وفي 3 من هذه الحالات، ارتدت الأسماك وواصلت سباحتها بعيداً دون إصابات ظاهرة، بينما سُجلت حالة واحدة فقط لم تظهر فيها السمكة أي حركة بعد الاصطدام، ما يشير إلى أن خطر التوربينات على الحياة البحرية قد يكون أقل بكثير مما كان يعتقد سابقاً.
وكشفت المشاهدات المرصودة عن سلوك ذكي ومبهر لأسراب الأسماك عند مواجهة التوربين؛ فبدلاً من الارتباك، أظهرت الأسراب قدرة عالية على اتخاذ قرارات جماعية فعالة. فعند الاقتراب من منطقة الدوران، ينقسم السرب بتناسق، حيث يمر بعض أفراده من الجوانب بينما يغوص الآخرون للأسفل لتفادي الشفرات؛ ولم تسجل الدراسة أي حالة اصطدام لسرب كامل أو حتى لمجموعة كبيرة من أفراده، ما يثبت أن الحركة الجماعية تعمل كآلية دفاعية تساعد الأسماك على تقييم الأخطار وتفاديها بكفاءة أكبر.
سجل الباحثون أكثر من 400 ملاحظة لطيور بحرية غاطسة، مثل طيور الغاق والبط البحري، ولوحظ أن جميع هذه الأنشطة كانت محصورة في ساعات النهار فقط، ولم يتم رصد أي طيور أثناء دوران التوربين، حيث فضلت الظهور غالباً في حالات المد العالي عندما تكون حركة المياه هادئة وتوقف التوربين.
باعتبارها ثدييات بحرية تتميز بالفضول والذكاء، خضعت “فقمات الميناء” لرقابة دقيقة خلال 92 حدثاً مسجلاً.
نتائج وتوصيات الدراسة
أظهرت النتائج أن الفقمات كانت أكثر نشاطاً حول التوربين ليلاً، لكنها كانت تقترب منه غالباً وهو في حالة توقف. وفي حالات نادرة اقتربت فيها فقمة من توربين متحرك، أظهرت حذراً شديداً بسباحتها خلفه أو بجانبه دون ملامسة الشفرات؛ وفي مشهد لافت، رُصدت فقمة تطارد سمكة، لكنها توقفت فجأة وغيرت مسارها عند اقترابها من التوربين الدوار، ولم يُسجَّل أي اصطدام للفقمات طوال فترة الدراسة.
ويبدو أن التوربينات الصغيرة، عند تصميمها بعناية، تشكل خطراً محدوداً للغاية يتركز معظمه على الأسماك الصغيرة، وفي ظروف استثنائية فقط، ما يفتح الباب أمام توسع آمن لهذه التقنيات.
وأوصت الدراسة بدمج المراقبة البشرية مع تقنيات الذكاء الاصطناعي للتعرف الآلي على الكائنات، وتحسين طرق الإضاءة لضمان عدم تأثيرها على السلوك الطبيعي للحيوانات، بالإضافة إلى أهمية إجراء دراسات طويلة المدى تشمل توربينات بأحجام ومواقع مختلفة.

