كتبت نوفر رمول في صحيفة العرب.
الحضور الأفريقي في القمة العالمية للحكومات يعكس اتجاها متناميا لدى عدد من الدول الأفريقية للانخراط في منصات دولية أوسع تبحث عن شراكات اقتصادية تتجاوز القوالب التقليدية للعلاقات الثنائية.
في أحد أمثال غرب أفريقيا يقال: إذا أردت أن تمشي بسرعة، امش وحدك. وإذا أردت أن تمشي بعيدا، امش مع غيرك. هذا القول، الذي نشأ في سياق اجتماعي بسيط، يكتسب اليوم بعدا سياسيا واقتصاديا أوسع، مع تحولات عميقة في موازين القوة العالمية ومسارات الشراكات الدولية.
في الثالث من شباط/فبراير 2026، افتتحت القمة العالمية للحكومات أعمالها في دبي بمشاركة واسعة من قادة الدول والحكومات وصناع القرار. ما لفت الانتباه هذه المرة كان الحضور الأفريقي على مستوى رؤساء الدول والحكومات، ضمن قمة عالمية متعددة الأطراف غير مخصصة لقارة بعينها. هذا الحضور يعكس اتجاها متناميا لدى عدد من الدول الأفريقية للانخراط في منصات دولية أوسع، تبحث عن شراكات اقتصادية تتجاوز القوالب التقليدية للعلاقات الثنائية.
في هذا السياق، تبرز العلاقات الاقتصادية بين الإمارات وعدد من الدول الأفريقية كجزء من هذا التحول. التبادل التجاري غير النفطي بين الجانبين بلغ نحو 112 مليار دولار في عام 2024، مع توسع ملحوظ في مجالات البنية التحتية والطاقة والخدمات اللوجستية. كما شهدت السنوات الأخيرة زيادة في الاستثمارات الإماراتية داخل القارة، خصوصا في القطاعات المرتبطة بالموانئ وسلاسل الإمداد والطاقة المتجددة.
الوجود الأوروبي ما زال يعتمد على شبكات اقتصادية ولغوية ومؤسساتية تشكلت خلال مرحلة ما بعد الاستعمار مع ما يحمله ذلك من إرث تاريخي وتأثير مستمر على العلاقات الاقتصادية والسياسية
على هامش القمة، وُقعت اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة مع جمهورية الكونغو الديمقراطية، شملت خفض الرسوم الجمركية وإزالة حواجز تجارية في قطاعات استراتيجية مثل التعدين والزراعة والطاقة النظيفة. وبلغت التجارة غير النفطية بين البلدين 2.9 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025. كما أُعلن عن تعاون في مجالات الموانئ والتدريب الدبلوماسي.
وقبل ذلك بيوم، وُقعت اتفاقية مماثلة مع سيراليون، استهدفت قطاعات المعادن والزراعة والبنية التحتية. هذه الاتفاقيات تعكس توجها نحو بناء علاقات اقتصادية طويلة الأمد، ترتكز على قطاعات إنتاجية وأساسية، أكثر من اعتمادها على تبادلات ظرفية أو قصيرة الأجل.
إلى جانب مسارات التجارة والبنية التحتية، برز بعد رقمي في الشراكة الإماراتية مع أفريقيا. ففي عام 2024، أطلقت الإمارات مبادرة بقيمة مليار دولار لدعم استخدامات الذكاء الاصطناعي في التنمية عبر القارة، مع تركيز على تطوير البنية الرقمية، وتمكين الخدمات الحكومية، ودعم قطاعات التعليم والصحة والزراعة. هذه المبادرة تعكس توجها نحو توسيع مفهوم الشراكة ليشمل التحول الرقمي وبناء القدرات، ضمن مقاربة أشمل للتنمية طويلة الأمد.
تأتي هذه التحركات ضمن إطار أوسع لبرنامج اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة الذي أطلقته الإمارات خلال السنوات الماضية لتوسيع شبكتها التجارية عالميا. في عام 2025، تجاوزت قيمة التجارة الخارجية غير النفطية لدولة الإمارات 1.03 تريليون دولار لأول مرة في تاريخها، مسجلة نموا يقارب 27 في المئة مقارنة بالعام السابق. هذه المعطيات تعكس اتجاها اتساعيا في حجم التبادل التجاري غير النفطي مع شركاء متنوعين، بما في ذلك الاتفاقيات التي دخلت حيز التنفيذ في عدد من الأسواق الناشئة.
في الوقت نفسه، يشهد الحضور الدولي في أفريقيا تنوعا واضحا في النماذج والمقاربات. الوجود الأوروبي، خصوصا في غرب ووسط القارة، ما زال يعتمد على شبكات اقتصادية ولغوية ومؤسساتية تشكلت خلال مرحلة ما بعد الاستعمار، مع ما يحمله ذلك من إرث تاريخي وتأثير مستمر على العلاقات الاقتصادية والسياسية.
أفريقيا اليوم تقف في قلب التحولات الاقتصادية العالمية، بثقلها الديموغرافي ومواردها وموقعها في سلاسل الإمداد الدولية. من يدرك خصوصيتها، ويبني حضوره فيها على شراكات طويلة الأمد، يضع نفسه في مسار المستقبل
الصين اختارت نموذجا قائما على الاستثمار الكثيف في البنية التحتية والتمويل طويل الأجل، وربط القارة بشبكات التجارة العالمية. هذا النموذج أتاح لبكين حضورا واسعا وسريعا، مع تصاعد النقاش داخل عدد من الدول الأفريقية حول كلفة الديون وحدود الاستدامة المالية.
روسيا اعتمدت مقاربة مختلفة، ركزت على التعاون الأمني والعسكري وبناء نفوذ سياسي في دول تعاني هشاشة مؤسساتية أو صراعات داخلية. هذا الحضور، وإن كان محدودا اقتصاديا، وفر لموسكو هامشا من التأثير السياسي في عدد من الساحات الأفريقية.
الولايات المتحدة عادت إلى القارة من خلال خطاب يربط الشراكة الاقتصادية بقضايا الحوكمة والاستثمار الخاص وسلاسل الإمداد، في محاولة لإعادة التموضع ضمن بيئة دولية تتسم بتعدد الفاعلين وتنافس النماذج.
ضمن هذا التعدد، تتحول أفريقيا تدريجيا من ساحة تنافس خارجي إلى فاعل يمتلك قدرة متزايدة على صياغة شروط الشراكة وتحديد أولوياتها. القارة تضم نحو 60 في المئة من الأراضي الصالحة للزراعة غير المستغلة عالميا، وتملك حصة كبيرة من المعادن النادرة اللازمة للتحول الطاقي، فيما يتجاوز عدد سكانها ملياري نسمة بحلول منتصف القرن.
أفريقيا اليوم تقف في قلب التحولات الاقتصادية العالمية، بثقلها الديموغرافي ومواردها وموقعها في سلاسل الإمداد الدولية. من يدرك خصوصيتها، ويبني حضوره فيها على شراكات طويلة الأمد، ويقرأ تحولات مجتمعاتها واقتصاداتها بعمق، يضع نفسه في مسار المستقبل. فـ”ماما أفريقيا” تتقدم كإحدى الركائز الصاعدة في النظام العالمي، بثبات يعكس وزنها ودورها المتنامي في تشكيل ملامح المرحلة المقبلة.

