توصلت دراسة حديثة إلى أدلة قوية تشير إلى أن استئصال قناتي فالوب بشكل كامل أثناء إجراء عمليات جراحية أخرى في الحوض أو البطن والتي لا تكون موجهة أساساً لعلاج مرض السرطان، يرتبط بانخفاض كبير في خطر الإصابة بسرطان المبيض وقناتي فالوب.
وتمثل هذه النتائج تطوراً نوعياً في مجال الوقاية من السرطان، إذ تدفع نحو إدراج هذا الإجراء ضمن النقاشات الطبية للجراحة مع النساء المؤهلات، بما قد يعيد رسم معايير الرعاية الصحية النسائية على نطاق واسع.
ويعد سرطان المبيض وقناتي فالوب من أكثر السرطانات التي تصيب النساء وأشدها فتكاً، نظراً لصعوبة اكتشافه في مراحله المبكرة وغياب وسائل فحص فعالة للكشف المبكر.
وعلى مدى سنوات طويلة، شكل المرض تحدياً كبيراً للأطباء والباحثين، سواء على صعيد الوقاية أو تحسين فرص النجاة، غير أن التحول في الفهم البيولوجي لمنشأ المرض، والذي كشف أن العديد من سرطانات المبيض عالية الدرجة تنشأ في الأصل من قناتي فالوب، وفر أساساً علمياً متيناً لتبني الاستئصال الوقائي كوسيلة فعالة لتقليل خطر الإصابة.
واعتمدت الدراسة التي نشرتها دورية JAMA التابعة للجمعية الطبية الأميركية، على تحليل دقيق لنتائج مرضى خضعوا لعمليات جراحية مختلفة في الحوض أو البطن، وقارن الباحثون الحالات التي أجري لها استئصال كامل لقناتي فالوب بحالات أخرى لم تخضع لهذا الإجراء.
وأظهرت البيانات الإحصائية وجود ارتباط واضح بين الاستئصال الكامل لقناتي فالوب؛ وانخفاض معدلات الإصابة بسرطان المبيض وقناتي فالوب بشكل ملحوظ.
وتبرز هذه النتائج الأثر السريري المباشر للإجراء، فضلاً عن انعكاساته المحتملة على الصحة العامة في حال اعتماده على نطاق أوسع ضمن البروتوكولات الجراحية الروتينية.
وأوضحت الدراسة أن التدخل الوقائي لا يضيف أخطاراً جراحية تذكر عندما ينفذ بالتزامن مع عمليات أخرى شائعة، مثل استئصال الرحم أو بعض جراحات التعقيم.
وفي السابق؛ دار جدل طويل داخل الأوساط الجراحية بشأن الموازنة بين الفوائد المحتملة لهذا الإجراء والأخطار المحيطة به، إلا أن تراكم الأدلة العلمية، بما في ذلك نتائج الدراسة الجديدة، يعزز القناعة بأن الاستئصال الكامل لقناتي فالوب إجراء آمن وفعال من الناحية الوقائية.
وعلى المستوى الجزيئي، تسلط الدراسة الضوء على دور ظهارة قناتي فالوب في نشوء آفات أولية تعرف بسرطانات داخل الظهارة الأنبوبية المصلية، والتي يعتقد أنها تمثل البذرة الأولى لتطور سرطان المبيض الغازي.
ومن خلال إزالة قناتي فالوب، يمكن القضاء على هذا الموقع المبكر للتحول الخبيث، ما يوقف سلسلة الأحداث المؤدية إلى نشوء الورم قبل أن تتجسد سريرياً، ويمنح هذا الفهم الآلي للإجراء أساساً علمياً قوياً يدعم اعتماده خلال العمليات الجراحية ذات الصلة.
وأكدت الدراسة على أهمية المشورة الطبية الواعية قبل الجراحة، إذ ينبغي على الأطباء مناقشة فوائد وأخطار الاستئصال مع المريضات بشكل واضح ومتوازن.
ويعد اتخاذ القرار المشترك عنصراً محورياً في هذا السياق، لضمان إدراك النساء أن هذا الإجراء يمكن أن يقلل بشكل كبير من خطر الإصابة بالسرطان، دون التأثير سلباً على الوظيفة الهرمونية أو الخصوبة طالما جرى الحفاظ على المبيضين.
وينسجم هذا التوجه مع التحول المتسارع في الطب الحديث نحو الوقاية الاستباقية بدل الاكتفاء بالعلاج بعد ظهور المرض.
وفي ظل محدودية فعالية وسائل فحص سرطان المبيض، يبرز استئصال قناتي فالوب كأحد التدخلات القليلة القادرة على إحداث تأثير ملموس في خفض معدلات الإصابة من خلال إجراء جراحي بسيط نسبياً يستهدف أصل المشكلة.
ورغم النتائج المشجعة، شدد الباحثون على ضرورة مواصلة الدراسات لمتابعة الآثار بعيدة المدى لهذا الإجراء، بما في ذلك تأثيره المحتمل على احتياطي المبيض وصحة الحوض العامة على المدى الطويل.
وأكد الباحثون على أهمية التعاون بين الجراحين وأطباء الأورام وعلماء الأمراض لصياغة إرشادات أكثر دقة، وتحديد معايير اختيار المريضات الأكثر استفادة من هذا التدخل الوقائي.
ولا تقتصر فوائد استئصال قناتي فالوب على الجوانب الصحية فحسب، بل تمتد إلى الأبعاد الاقتصادية أيضاً، فخفض معدلات الإصابة بسرطانات عالية الخطورة قد يخفف العبء المالي الكبير المرتبط بعلاج هذه الأمراض، ويقلل من تكاليف الرعاية الصحية طويلة الأمد، ما يشكل مكسباً مزدوجاً على الصعيدين الإنساني والاقتصادي.
ودعت قائد فريق الدراسة، ماريا كيرجيو، الباحثة في “إمبريال كوليدج لندن”، إلى الإسراع في دمج هذا الإجراء ضمن الممارسات الجراحية القياسية، معتبرة أن استئصال قناتي فالوب يمثل فرصة حقيقية لإنقاذ الأرواح والحد من العبء العالمي لسرطان المبيض.
وأكدت أن تحديث البروتوكولات السريرية بات ضرورة ملحة في ضوء الأدلة العلمية المتراكمة.
وتعكس هذه الدراسة تحولاً مفصلياً في صحة المرأة، إذ تظهر كيف يمكن استغلال الفرص الجراحية العرضية لتحقيق أهداف وقائية بعيدة المدى.
ومن خلال إعادة النظر في كيفية التعامل مع العمليات الجراحية في الحوض والبطن، يرسخ هذا النهج مفهوم الوقاية من السرطان كأولوية جراحية، ويقدم أملاً حقيقياً في تقليل أحد أكثر السرطانات النسائية فتكاً، عبر استراتيجية علمية مدعومة بالأدلة وقابلة للتطبيق على نطاق واسع.

